عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 10 )  
قديم 2014-04-08
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,284 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مقومات عمود الشعر الأســلوبية فـي النظريــة والتطـبيق




(المبحث الثالث)
ـ مسلم بن الوليد:


مسلم بن الوليد (ت 208هـ) الذي لقبه ابن رشيق بـ (زهير المولدين) لعنايته بصنعة الشعر، وإبطائه فيها بغية الإجادة( ) وهو أول من حاول أن يجعل بلاغة القصيدة شبيهة ببلاغة النص القرآني كما يحددها الرماني"( ) التي يعدها "إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ"( ) ذلك أن مسلماً كان سباقاً إلى تلطيف المعاني وترقيق القول، أو كما يقول ابن قتيبة من أنه "أول من ألطف في المعاني، ورقق في القول وعليه يعول الطائي في ذلك، وعلى أبي نواس"( ) ولأنه في تلطيف المعاني وترقيق القول، أول من حاول أن يجعل الشعر إبداعاً جمالياً من خلال الألفاظ، فقد نظر إليه الآمدي في الموازنة على أنه "أول من أفسد الشعر ثم اتبعه أبو تمام واستحسن مذهبه"( ) ومن هنا كان "فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو لقب هذا الجنس البديع واللطيف"( ) لأنه "أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم إلا النبذ اليسيرة"( ) حتى كان فيما يقول مهرويه" أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد جاء بهذا الفن الذي سماه الناس البديع"( ) وابن المعتز يراه تلميذاً لبشار بن برد لأن بشاراً أول من جاء به أما مسلم فقد وسعه( ).
والذي يبدو من خلال هذا، أن نهج البديع عند مسلم خصوصية أسلوبية كونه يكشف عن تعامله الخاص باللغة ومعها، على صعيد اللفظ والتركيب وما يترتب على سياقهما من آثار إيقاعية أو دلالية، لأن الأسلوب "أثر يحدد المضمون الإخباري للإشارة (بالتضاد أو بالتوافق) ولا يمكن تعريفه إلا عبر القارئ، فهو أثر على القارئ، فإما أن يكون الانتظار مخيباً، وإما أن يكون تاماً"( ) من جهة أن المتلقي حين يقرأ قصيدة ما، فسيلحظ "أن التراكيب تولد الإبدالات الخاصة، وأن هذه الإبدالات تولد التراكيب بدورها، بمعنى آخر. فإن القصيدة تولد قانونها الخاص، وتكون القصيدة فيه الرسالة الوحيدة"( ) أي أن ما جاء في لغة مسلم تجديد وأثر أسلوبي اتصفت به لغته انطلاقاً من خصوصيته الفردية في التعبير الشعري، التي لم يكن فيها خارج نظام القصيدة العربية القديمة، إنما منطلق منه، وذلك أنه لما كان النقاد في القرنين الهجريين، الأول والثاني على نحو خاص، ينظرون إلى لغة الشعر عند المحدثين على أنها مما يجوز لهم الاستشهاد بمعانيها، على حين يستشهد ـ من القدماء بالألفاظ، فقد صار الشعر "المولد أو المحدث ـ إذا صح ـ كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكاً وأحسن ديباجة"( ) وكان القدماء قد سبقوا المحدثين إلى كل معنى بديع، ولفظ جزل، ومن هنا كان أمام المحدثين، طريقان للتجديد أو الحداثة الشعرية: الطريق الأول، يتمثل في أساليب إنتاج الدلالة الشعرية بالشكل الذي تتميز فيه معاني المحدثين من معاني القدماء الأمر الذي جعل معاني المحدثين تتصف بالعمق وتوخي الصنعة فيها والإيغال في استخدام أساليب المجاز ولا سيما الاستعارة، الأمر الذي جعل من يقرأهم بالاحتكام إلى الشعر الجاهلي، يعدهم خارجين عن سنن الأقدمين التي انطلقوا منها مبدأ سعوا إلى تطويره وتحديثه. أما الطريق الثاني فمتصل بالأول ومكمل له، وهو:
لما كان النقاد ولا سيما اللغويون قد عدوا القدماء متقدمين في اللفظ يستشهد بهم فيه لا بالمحدثين وليس للمحدثين إلا حسن الاتباع، فهم متبعون كلام من سبقهم من الجاهليين "ولولا أن الكلام يعاد لنفد"( ) فقد دفع هذا الأمر المحدثين إلى تطوير أساليب صياغة اللفظ في خلال ما عرف بالبديع فكانوا مع أول من جاء به وهو بشار غير ملحوظين على نحو بارز لأن تقصده أو توخيه لم يكن قد صار صنعة لافتة للنظر لا مع بشار بن برد ولا مع أبي نواس، فالأول بارع في قول الشعر على ضروب شتى مع طبع تختفي معه قصدية الصنعة أو توخي البديع يتصرف في كل طريق ويبدع في كل مذهب، إن شاء جد وإن شاء هزل، مما جعل أثر الصنعة البديعية غير لافت للنظر، أما مع مسلم بن الوليد الذي نظر إلى أستاذه بشار وأخذ عن معاصره أبي نواس فقد كان توخيه البديع ظاهراً وقصده إليه لافتاً للنظر، فقد كان "مسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه"( ) ويجري "على وتيرة واحدة لا يتغير عنها"( ) الأمر الذي كشف عن صنعته البديعية وجعل الناظرين إليها بعين الشعر القديم يعدونها فساداً( ). وهذا ما يمكن أن نقرأه على نحو يؤيد ما أذهب إليه بشكل غير مباشر عند الصولي أكبر مدافع عن الشعراء المحدثين، إذ قال: "إن ألفاظ المحدثين منذ عهد بشار إلى وقتنا هذا، كالمتنقلة إلى معان أبدع، وألفاظ أقرب، وكلام أرق، وإن كان السبق للأوائل، بحق الاختراع والابتداع، والطبع والاكتفاء، وأنه لم تر أعينهم ما رآه المحدثون، فشبهوه عياناً، كما لم ير المحدثون ما وصفوه هم مشاهدة، وعانوه مدة دهرهم، من ذكر الصحارى والوحش والإبل والأخبية، فهم في هذا أبداً دون القدماء، كما أن القدماء فيما لم يروه أبداً دونهم. وقد بين أبو نواس هذا في قوله:
صفة الطلولِ بلاغة القدمِ
فاجعل صفاتك لابنة الكرمِ

وإذا وصفتَ الشيء متبعاً
لم يخلُ من زللٍ ومن وهمِ

لأن المتأخرين إنما يجرون بريح المتقدمين، ويصبون على قوالبهم، ويستمدون بلعابهم، وينتجعون كلامهم، وقلما أخذ أحد منهم معنى من متقدم إلا أجاده وقد وجدنا في أشعار هؤلاء، معاني لم يتكلم القدماء بها، ومعاني أومأوا إليها، فأتى بها هؤلاء وأحسنوا فيها، وشعرهم مع ذلك، أشبه بالزمان، والناس له أكثر استعمالاً، في مجالسهم وكتبهم وتمثلهم ومغالبهم"( ).
فالصولي يقدم المحدثين في ابتكار معان جديدة، لم يعرفها الجاهليون، ومن هنا فجودة النص الشعري، تحقق لهم السبق في هذه المعاني بعيداً عن السبق الزمني أو تقليد النهج السابق، ومن جهة أخرى كشف عن خصوصية المحدثين في صدورهم عن تجاربهم الشعرية المستوحاة من بيئتهم حتى جاءت بأساليب مخصوصة، كون خصوصية الأسلوب من خصوصية الطبع، وكشف من جهة أخرى عن أن بعض النقاد ولا سيما أصحاب المنهج اللغوي منهم، قد انطلق من مقومات النص الجاهلي في الحكم للنص المحدث فجاء حكمه على النص لا فيه غالباً.
من خلال ما سبق فإن مسلماً لم يخرج على سنن الأقدمين في صنعة الشعر، إنما أراد أن يميز نفسه من السابقين لتميز عصره عما سبقه، فكان جارياً على نهج الأوائل سوى في منحيين أخذه بعض النقاد عليهما على أنهما ميزتان أسلوبيتان في اللغة الشعرية عنده: المنحى الأول: توخي المحسنات البديعية على المستوى الإيقاعي والثاني توخي هذه المحسنات على الصعيد المجازي ولا سيما الاستعارة، كون النقاد حتى عصر مسلم وما بعده قد عدوا الاستعارة جنساً بديعياً، وفيما عدا هذين المنحيين الأسلوبيين عنده، فإنه ممدوح عند النقاد في أساليب، الوصف والتعبير عن المعنى وتناسب التشبيه وفي التحام أجزاء النظم وتركيب القصيدة.
ومن دقته في التعبير عن المعنى ما قاله (صاحب العيار) من أن "المعنى الصحيح الحسن البارع الذي قد أبرز في أحسن معرض وأبهى كسوة وأرق لفظ هو قول مسلم بن الوليد الأنصاري( ):
وإني وإسماعيل بعد فراقهِ
لكالغمدِ يوم الروع زايلهُ النصلُ

فإن أغْشَ قوماً بعدهُ أو ازرهم
فكالوحشِ يدنيها من الأنسِ المحلُ

ويقول ابن المعتز: أن في البيتين "معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة"( ) ولا شك في أن إعجاب ابن المعتز وابن طباطبا العلوي وابن قتيبة بهذا الأسلوب في التعبير عن المعنى الشعري صادر عن كونه شائعاً عند القدماء، فضلاً عن أن مكونات جملة التشبيه في كلا البيتين جاءت متناسبة على نحو جميل.
وفي هذا السياق امتدحوا قوله( ):
وردت رواق الفضلِ فضل بن خالدٍ
فحطَّ الثناء الجزل نائلهُ الجزل

بكفّ أبي العباس يستمطرُ الندى
وتستنزلُ النعمى ويُسْتَرْأفُ النصل

ويستعطف الأمر الأبيّ بحزمهِ
إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا قتل

إذ يعد أبو هلال هذا الشعر من "الجزل المختار الذي تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها"( ).
ولا شك في أن انسيابية تعبير الرؤية الشعرية وصفاً على نحو تقليدي، هو الباعث على الإعجاب عند أبي هلال، مثله مثل قوله( ):
وخال كخالِ البدر في وجهِ مثلهِ
لقينا المنى فيهِ فحاجزنا البذل

والواقع أن مسلماً يحرص في تشبيهاته على تناسب مكونات التشبيه، بفطنة وحسن تقدير، كما في قوله( ):
ولما تلاقينا، قضى الليل نحبهُ
بوجهٍ كوجهِ الشمسِ ما أن له مثل

وخالٍ كخالِ البدر في وجه مثلهِ
لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل

وماء كماء الشمس لا يقبل الأذى
إذا درجت فيه الصبا خلته يغلو

مع جزالة اللغة وجماليتها وبعدها عن التعقيد من حيث الجملة الشعرية، أو على صعيد بنية البيت الشعري، كانت هناك دقة فنية في التحام أجزاء النظم، على صعيد البيت وبناء القصيدة، فكان يعجب النقاد في حسن تخلصه أو في استطراده، إذ ذكروا له من بديع خروجه أو تخلصه من الموضوع إلى الغرض، من قبيل خروجه من وصف الخمرة إلى المدح، قوله( ):
إذا شئتما أن تسقياني مدامةً
فلا تقتلاها، كل بيتٍ محرمُ

خلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا
فأثر في الألوان منا الدم الدمُ

ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرةٍ
لصهباء صرعاها من السكر نُوّمُ

فمن لامني في اللهو أو لام في الندى
أبا حسنٍ زيد الندى فهو ألومُ

أو كما يقول العسكري: من ظريف استطراده( ):
أجدك ما تدرين أن رب ليلةٍ
كأن دجاها من قرونكَ ينشرُ

لهوت بها حتّى تجلتْ بعرَّةٍ
كغرة يحيى حين يذكرُ جعفرُ

كل هذا يكشف عن مدى تفنن مسلم بن الوليد في طريقة قول الشعر، إذ بلغ أن جعل شعره "لا يكاد يخلو من صورة بيانية بديعة، وجمع في شعره بين مواتاة الطبع وإحكام الصنعة، حتى ليلتبس الأمر على قارئ شعره، فلا يعرف فيه موطن الصنعة... فقد بلغ بالبديع قريباً من الكمال... ولم يصل به إلى درجة التكلف( ) ولكنه فيه مستلهم للقديم أسلوباً وطريقة تعبير، إلا أنه حين عمد إلى التجديد أو ظهرت في شعره بواكير حداثة تميزه من السابقين، عده النقاد مفسداً للشعر( ) وإن كان هذا الذي يرويه إفساداً إنما هو إحداث فني أسلوبي جمالي يمكن أن نضعه في منحيين: الأول: المنحى الإيقاعي والثاني المنحى الاستعاري.
ومما أخذه عليه النقاد في باب الاستعارة قوله:
وليلة خلست للعين من سنةٍ
هتكتُ فيها الصبا عن بيضة الحجلِ

فاستعار للحجل.. يعني الكلل ـ بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله:
وبيضةُ خدرٍ لا يرامُ خباؤها
تَمتعتُ من لهوٍ بها غير معجلِ

وكلاهما يعني المرأة، فاتفق لمسلم سوء الاشتراك في اللفظ، لأن بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما عرفت، وقال في موضع آخر:
رمت السلو وناجاني الضمير بهِ
فاستعطفتني على بيضاتها الحجلُ

فما الذي أعجبه من هذه الاستعارات قبحها الله!!؟ لو قال "الكلل" لتخلص، وأبدع فكان تبعاً لامرئ القيس في جودة الاستعارة( ).
إذ يرى أن استعارة "بيضة الخدر للمرأة عند امرئ القيس مقبول، ولكن استعارة "بيضة الحجل" للمرأة عند مسلم غير مقبول. لأنه لم يكن مقلداً بدقة لامرئ القيس ثم إنه قصد بـ "الحجل" الكلل. وهي إحالة ثانية بالكلام، تبعده عن الأصل كما جاء عند امرئ القيس، وهذا نظر يقع خارج حقل الشعر الذي ينبغي أن ننظر إليه على أنه "حقل تخييل لا حقل تعقيل"( ) ومسلم في هذه الاستعارة ارتفع باللغة عن مستوى التقليد إلى ما تكون فيه خطاباً فنياً، وهو هنا كما هو في قوله الذي أعجب النقاد وهو( ):
تجري الرياح بها حسرى مولهة
حتّى تلوذُ بأطرافِ الجلاميدِ

إذ استعار للرياح صورة المرأة الحسرى المولهة، ليرسم بوساطة أسلوب الاستعارة صورة الصحراء الموحية بالغربة، وكان وضوح الصورة الصادر عن تناسب أركان جملة الاستعارة كان باعثاً على الإعجاب، في حين صار خروجه على نمط استعارة شائع كما عند امرئ القيس، عيباً في أسلوب الاستعارة عند مسلم.
أما في المنحى الإيقاعي فقد كان أسلوبه مميزاً على نحو لافت للنظر، إذ اعتمد في توليد مكونات البنية الإيقاعية في شعره ليس على عناصر تخص الأوزان الطويلة أو القصيرة الراقصة ذات الإيقاع الغنائي أو القوافي ذات الجرس المؤثر فقط كما هو شائع في اللغة الشعرية في عصره.
فقد اعتمد على محسنات بديعية ذات طبيعة إيقاعية، شكلت سمة أسلوبية بارزة في لغته، مثل: الترصيع في قوله( ):
كأنه قمرٌ أو ضيغمٌ عصر
أو حيّةٌ ذكر أو عارضٌ هطل

إذ يعد ابن رشيق هذا من بديع الترصيع، ومثل هذا قوله( ):
يورى بزندكَ أو يسعى بجدكَ أو
يفرى بحدك.. كل غير محدودِ

وكذلك يعمد كثيراً إلى بديع التجنيس كما في قوله( ):
دار الغواني بدلت أطلالها
حور المها وشوادن الغزلانِ

لعبت بها حتى مَحت آثارها
ريحان رائحتان باكرتانِ

أو كما في قوله( ):
يا صاح إن أخاكَ الصب مهمومُ
فارفق بهِ إن لومَ العاشق اللومِ

إلا أنهم يعدون من قبيح التجنيس قوله في الخمر( ):
سلت فسلت ثم سل سليلها
فأتى سليلُ سليلها مسلولا

لطف المزاج لها فزين كأسها
بقلادة جعلت لها إكليلا

قتلت وعاجلها المدير ولم تفظ
فإذا بهِ قد صيرته قَتيلا

إذ عد القدماء البيت الأول من قبيح التجنيس، وقد "أراد سلت من المعصرة، ثم سلت من الدن، وسل سليلها: البول، هذا قول الباهلي، وقال أبو علي، والذي أراه أنها سلت من المعصرة، ثم سلت من الدن، ثم سلت من الكأس عند شرابها، وقوله: جعلت لها كليلاً أي رفعها المزاج، فكان الحباب لها كالقلادة، فجعلها إكليلاً لأنها في الرأس"( ).
والواقع أن مسلماً استطاع أن يولد متغيراً أسلوبياً غير مألوف من خلال هذا التكرار المتتابع للفعل (سل/ سليلا ومسلولا) إذ يتناسب التنظيم المنسق في الزمن للأصوات، مع ما تشير إليه في الواقع، إذ أن نظم الجملة الشعرية في البيت، على الصعيد الصوتي، يجري على وتيرة ثلاثية الأصوات (س، لام، م) يكاد اللسان يتعثر بنطق هذا الأسلوب النظمي لقيامه على تكرار متشابه، يربك اللسان نطقاً، ويشكل في الإفهام وعياً، ولما كان سياق الحال للواقع الموصوف، (هو السكر) أي إرباك السلوك تصرفاً، وإشكال العقل عن الإدراك فكراً، وهذا نمط أسلوبي يوحي بتناسب أداء الأصوات عند النطق مع دلالتها التعبيرية، أي تناسب السياقين الحالي (الواقع) والنصي، فكان هذا منبهاً أسلوبياً باعثاً على شد انتباه القارئ أو المتلقي، وإثارة خياله، وفي هذا كان الكلام يعبر عن المعنى والأسلوب في سياق النص الشعري يبرز فرادة التعبير الشعرية.
ولما كانت اللغة "مجموعة شحنات معزولة والأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع بعضها الآخر"( ) فإن الأسلوب في هذا السياق كامن في المفاجأة التي تحدث فتبعث على توليد غير المتوقع من المتوقع، أو غير المنتظر من المنتظر.
وهناك منحى أسلوبي عند مسلم يقع في باب البديع الإيقاعي، يعمد فيه إلى تقسيم البيت الشعري إلى أربع جمل متساوية، من مثل قوله الذي يعجب به ابن المعتز( ):
موفٍ على مهجٍ، في يومِ ذي رهجٍ
كأنّه أجلٌ، يسعى إلى أملِ

وقوله( ):
والدهرُ آخذُ ما أعطى، مكدر ما
أصفى، ومفسد ما أهوى لهُ بيدُ

وقوله أيضاً( ):
إذا أقبلتْ راعت بقلةِ قرقفٍ
وإنْ أدبرتْ راقَت بقادمتي نسر

يبدو الشاعر في هذا الأسلوب عامداً إلى إبراز بعض المكونات الصوتية للغة الشعر على نحو متميز، من خلال تشكيل عناصر في سلسلة الكلام الشعري، تحمل القارئ على الانتباه إليها، بحيث إذا غفل عنها، أو نظر إلى النص الشعري بمنظار يخرج به عن سياقه النصي يشوه جمالية النص، وإذا حلل تلك العناصر، وجد لها دلالات تمييزية خاصة، مما يبعث على تأكيد الكيفية التي يكون فيها الكلام معبراً، والأسلوب يبرز فرادة التعبير( ).
من خلال هذا كله، فإن مسلم بن الوليد كان يعنى بصنعة شعره أيما عناية، إلا أنه يحرص أن يكون ذا طبع تختفي معه الصنعة وهو في هذا مقلد شعراء الجاهلية، وجار في ركابهم، وهو يحرص على العناية باللفظ وأسلوب صياغته كأستاذه بشار ومعاصره أبي نواس، ولكن جريان أسلوبه الشعري على وتيرة واحدة، جعل تركيزه على مقومات أسلوبه الشعري ظاهراً فكان إن نظر النقاد التقليديون إلى الحداثة في أسلوبه الشعري على أنها إفساد للشعر وخروج على مذهب الأوائل.




(المبحث الرابع)
ـ أبو تمام:


تعامل أبو تمام (ت 231هـ) باللغة تعامل إبداع وإغراب، من خلال استثمار الطاقات المجازية في الكلام الشعري، وهو ما يشي به قوله لمن قدم له كأساً يسأله شيئاً من (ماء الملام) ـ: "أعطني ريشة من جناح الذل، أسقيك كأساً من ماء الملام"( ) مما يدلل على أنه وجد في النص القرآني، ما يقتدي به غير الشعر الجاهلي، ثم إن هذا يكشف عن مصدر من مصادر ثقافة أبي تمام في إقامة العلاقات غير المسبوقة بين الكلمة وأختها وبين الكلمات والأشياء، على نحو يخرج فيه على طريقة العرب، في قول الشعر، على أن تلك الطرائق في إقامة تلك العلاقات الجديدة قد تصل حد الخطأ عند الآمدي الذي يصفه بأنه يريد البديع فيخرج إلى المحال( )، لأن الآمدي يحتكم في رأيه إلى الشعر الجاهلي الذي يقدم لنا فاعلية شعرية ترسم عالماً جمالياً من خلال انفعالية الشاعر، من دون أن يكون قد تضمن موقفاً فلسفياً من العالم عبر عنايته بالمفاهيم وسعيه إلى محاولة التغيير لأن "المنفعية تفرض موضوعات معينة تعكس اهتمامات عملية، وتفرض التعبير عنها بطريقة واضحة سهلة ليفهمها العدد الأكبر، فهي تتضمن حضور الآخر وغياب الأنا"( ) في حين يحرص أبو تمام على حضور (أناه) عبر طريقة مجازية في استخدام اللغة، يكون الكلام الشعري فيها نصاً إبداعياً "تذهب فيه النفس كل مذهب"( ) أي نص الاحتمالات المتعددة أو المعاني المتعددة، وهو غير مألوف عند الآمدي وأصحابه ممن يحتكمون في نقد الشعر المحدث إلى معايير مستوحاة من الشعر الجاهلي وقياس شعر أبي تمام إليها أو قراءته عبرها تظهره "أخطاء وإخلالاً وإحالات وأغاليط في المعاني والألفاظ"( ) لأن صاحبها يريد البديع فيخرج للمحال وأنه تبع مسلم بن الوليد في قصد البديع فأفسد الشعر. والإفساد الذي يعنيه الآمدي هو "طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارة، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها"( ) حتى "صار كثيراً مما أتى به من المعاني، لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها، إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس"( ) لأنه يوغل في هذا الأسلوب إذ يجذب الألفاظ والمعاني جذباً، ويقسرها قسراً، ولا "يتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، ولا يورد من الاستعارات ما قرب في حسن ولم يفحش، ولا اقتصر من القول على ما كان محذواً حذو الشعراء المحسنين"( ) من السابقين الذين صار أسلوبهم الشعري، طريقة العرب وعمودها في قول الشعر ويقوم على: قرب المآخذ في حسن، والصدور عما يسمح به الطبع من دون تعب أو كد ذهن، والاقتصار على ما تواضع عليه العرف (حذو الشعراء). لهذا يرى الآمدي أن لو تجنب أبو تمام ما كان عليه وحذا حذو الشعراء السابقين الذين لا يرى الآمدي محسناً إلا هم، وحاول أن يسلم مما يهجن شعره، ويذهب بمائه ورونقه لكان: "عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين إحساناً... لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ"( ) أي أن الآمدي يحمد لأبي تمام لطيف معانيه التي قلد فيها السابقين وغريب ألفاظه أو مستغربها إذا كان مما تواضع العرف على حمده عند القدماء، ولكن هذا الأمر يعني إلغاء التفرد والخصوصية الأسلوبية في شعر أبي تمام.
وقد بدا أن أبا نواس وأبا تمام قد حققا تحولاً في اللغة الشعرية بالخروج من نطاق التعبير الطبيعي إلى التعبير الفني أي من الواقع المباشر إلى التخييل المجازي، ولما لم يصحب هذا الأمر تحول في الذائقة النقدية، فقد استمر النقد على قراءة الشعر عبر مقومات أو معايير أخلاقية مما شاع في الشعر الجاهلي، لذلك أخذوا على أبي نواس ما كان من تجديد شعري عنده (بديع) ولما جاء أبو تمام وبنى شعره على البديع أسلوباً شعرياً ومنهجاً محدثاً صاروا ينظرون إليه خارجاً على سنن الأقدمين وعمود الشعر العربي، وإذا كان شعره شعراً فما قالته العرب باطل( ) لأنه شديد الاتكاء على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله وإنما يستقي من نفسه( )، بينما اتكاء أبي تمام على نفسه وصدوره عن ذاته هو سر إبداعه الشعري لأنه ميز نفسه من سواها ومن هنا فقد كان متفرداً في النظر إلى الأشياء وفي طريقة التعبير عنها "فاللغة الشعرية بدءاً من تجربة أبي نواس، وأبي تمام، لا تنقل أشياء أو حوادث وإنما تنقل إشارات وتخيلات، فهي لا تهدف إلى أن تطابق بين الاسم والمسمى، وإنما إلى أن تخلق بينهما بعداً يوحي بالمفارقة"( ) وكأنهما قد نقلا العلاقة بين اللفظ والمعنى مما قال به الجاحظ بأن "أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه"( ) إلى أن يكون اللفظ غير محدود، كالمعنى وذلك "بأن تستخدم اللغة بطريقة تخلق في كل لفظة، بعداً يوحي بأنها تتناسخ في ألفاظ عديدة، بحيث تنشأ لغة ثانية تواكب اللغة الأولى أو تتبطن اللغة الأولى، هذه الطريقة هي المجاز، فالمجاز هو المعنى الذي يعجز ظاهر اللفظ عن الإتيان به، أنه في مجال الشعر كالتأويل في مجال الفكر"( ) إذ أن أبا تمام يرى في تجربته الشعرية طريقة لخلق العالم باللغة، من خلال البنية المجازية التي يبثها في اللغة، جاعلاً شعره يتحرك انطلاقاً من ذاته عبر عناصر الخطاب الصوتية والتركيبية والدلالية، وهو سر تفرده في أسلوبه الشعري، ذلك التفرد الذي يعده القدماء خروجاً على عمود الشعر العربي.
على أن من البديهي النظر إلى الطريقة الشخصية في الإحساس والرؤية على أنها: "ستؤدي حتماً إلى طريقة شخصية في استعمال اللغة، فالأسلوب الصادق إذن، يجب أن يكون فذاً، إذا فهمنا من عبارة (الأسلوب الصادق) التعبير المناسب تماماً في لغة الكاتب عندما يعبر عن طريقة إحساسه من هذه الزاوية، تظهر الشخصية المتميزة على أنها أساسية بالنسبة للأسلوب"( ) لأن الأسلوب هو التعبير المباشر للتجربة الشخصية، من خلال طريقة مميزة في تشكيل الاختيارات اللغوية تلك الاختيارات الفردية الحاملة لخصائص اللغة، الدلالية والتركيبية( ).
ونظر أصحاب العمود الشعري في لغة أبي تمام التي يتكئ فيها على نفسه ولا يسلك مسلك الشعراء قبله، مستقياً من نفسه ـ كما يقول إسحاق الموصلي( ) ـ هذه اللغة التي تتصف بالغموض عندهم لأن الشاعر يقول كلامه الشعري جاعلاً من لغته علامة أو دالاً توحي بواقع آخر جديد هو ليس الواقع المباشر إنما هو احتمال مجازي، وهذا في نظر الآمدي بعيد المأخذ وليس بقريبه، مما يسمه عندهم بالغموض على أن ذلك الغموض إنما هو "نتيجة لاهتزاز الصورة الثابتة في نفس القارئ لعلاقة الدال بالمدلول، وهو اهتزاز أعطى للقارئ انطباعاً بأن أبا تمام، قد أفسد، وأبطل ما كان صالحاً، ودعا إلى فوضى، أي إلى ما لا يفهم، لكن أبا تمام كان يؤسس بإفساده هذا، أي في إحلاله احتمالية المعنى محل يقينيته، مبدأً أساسياً من مبادئ الشعر"( ) أي أنه انطلق من سنن الأقدمين في قول الشعر مبدأ للتجاوز، والذين ينظرون إلى جسد الفن الشعري في سنن الأقدمين لا إلى روحه سيسمون هذا التجاوز إفساداً. فإذا كان أبو تمام قد حافظ على "الشكل الخارجي لبنية القصيدة التقليدية، فلقد غير نواته الأساسية، الكلمة، وغير علاقات الكلمة الصوتية والدلالية، ولهذا لم يعد الشكل عائقاً لبروز هذه العلاقات، بل أصبح على العكس عنصراً جديداً ضدياً، يزيد في بروزها، فلقد فجره من داخل بتراكيبه اللغوية الجديدة( ).
وهذا ما نلمسه أو نحسه عند قراءة قوله مثلاً( ):
مطر يذوب الصحو منه، وبعده
صحو، يكاد من النضارة يمطر

غيثان: فالأنواء غيث ظاهر
لك وجهه، والصحو غيث مضمر

وندى إذا ادهنت به لمع الثرى
خلت السحاب أتاه، وهو معذر

قارئ هذه الأبيات، أو ما يماثلها في شعر أبي تمام يجد أن الكلمة فيها "لا تتناول من الشيء مظهره، وإنما تتناول جوهره، وهكذا يبدو أنها تنفيه فيما تثبته، وأنها تغيبه فيما تظهره. فكما أن الكلمة بداية، بداية أن يكون ما يطابقها في العالم أو الطبيعة بداية هو كذلك، فالكلمة العذراء تقتضي شيئاً بكراً، شمسه تطابق بين بكارة الكلمة وبكارة العالم والشعر هو التطابق أو زواج الكلمة البكر بالعالم البكر... الكلمة إذن لا تعكس أشياء العالم بل تعيد خلقها، إنها تخلق العالم على طريقتها مجازياً"( ).
وقد كان غوص أبي تمام على المعاني ـ على ما يظهر ـ صادراً عن حرصه على إظهار دور الفكر في النص الشعري من خلال إكساب الفكر سمة شعرية خاصة ومميزة( ). وقد يؤيد هذا أن أبا تمام قال سائر أشعاره "في مذهب أو مناخ اعتزالي واضح، ساد منذ تولي المأمون وامتد حتى نهاية عهد الواثق، وبين هذين العهدين، وفي رجالهما الذين تأثروا بالاعتزال كتب أبو تمام أهم قصائده، وتعرف فضلاً عن فكر المعتزلة إلى فكر أول فيلسوف عربي، وأول شارح لكتاب الشعر الأرسطي وهو الكندي، الذي عاصر أبا تمام في النشاط، بل نقده في مجلس المعتصم"( ).
وأشكال الفهم الشعري ودعاوى التجديد التي انطلق منها بشار بن برد وأبو نواس هي ذاتها التي انطلق منها أبو تمام، فجاء شعره نابعاً "عن صنعة ووعي لما يفعل وأن الطبع فيه ضعيف الحظ، وهو رجل خبر الشعر ودرسه منذ الجاهلية إلى عصره"( ) وعمله في الحماسة الذي يدلل على سعة اطلاعه على التراث الشعري العربي، ربما كان قد أثبت في وعيه، أن التجديد كامن في اللغة، أي اللغة الشعرية، وصادر عن تجلياتها الشعرية، وهكذا كان "لمعانيه البعيدة الغريبة والغامضة صورة واستعارات لغوية تشخصها وتنفث فيها حياة محسوسة، ولم يكن يتحقق له ذلك، من غير استعمال اللغة بمستوى استعاري حسي، وهو ما يميز لغة أبي تمام"( ).
لأننا في خلال اللغة الشعرية نبين مدى قدرة تلك اللغة نفسها على حرية التعبير وفي هذا يكون أبو تمام قد حرر الشعر من شكل التعبير الجاهز أو المسبق، وهو في هذا ناظر في تأثير لغة القرآن الكريم، إذ يبدو أن النص القرآني/ الذي رأى فيه بعضهم نفياً للشعر، بشكل أو بآخر، إنما أدى إلى فتح آفاق للشعر لم تكن لها حدود محددة، وأسس نقداً شعرياً، ويمكن أن نلمس في دفاع الصولي عن شعرية الكتابة التي تقف عنده مقابل شعرية المشافهة، أو طريقة المحدثين (المولدين) مقابل القدماء ما يشير إلى هذا كله( ).
وقد أوجز أدونيس ملامح اللغة الشعرية عند أبي تمام في خلال أربع سمات هي( ):
- استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، فلقد خلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال. وهذا مما حير قراءه (سامعيه) وأدى إلى الاختلافات في تفسير شعره.
- غير النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالتعقيد.
- حذف ولم يترك ما يدل على ما حذفه. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة.
- ابتكر معاني بعيدة، وصيغاً غير مألوفة، وسياقاً غريباً.
وهذه السمات الأربع هي مقومات أسلوبية في لغة أبي تمام الشعرية، ذلك أنه انفرد بها من خلال شيوعها في أشعاره، ولم يكن إذا قيس بمن التزموا تقليد سنن الأقدمين، قائماً على الالتزام بعمود الشعر، وكأن الأقوم بعمود الشعر هو من التزم بمقومات جسد اللغة التقليدية، على حين أن عمود الشعر هو في الالتزام بمقومات روح اللغة الباعثة على التغير والتجديد، هذه المقومات التي –إذا ما قرأنا أبا تمام في خلالها –فسيظهر ملتزماً بعمود الشعر، على وفق المقومات التي قال بها أخيراً –بعد استحضار آراء من سبقوه أحمد بن محمد المرزوقي في مقدمته الشهيرة على حماسة أبي تمام.
على صعيد معاني الشعر التي يراها المرزوقي أن حدها الشرف والصحة وعيارها الفهم الثاقب وقبول العقل الصحيح لها، لا نجد أبا تمام خارجاً على حد المعاني ولا مدلاً بغير الفهم الثاقب إلا أن قبول العقل الصحيح للمعنى الشعري مشروط بحرية التعبير الشعري في كونه تخييلاً لا تعقيلاً أي بنية تخييل لا بنية تعقيل. وقد عرف عن أبي تمام الغوص وراء المعاني حتى اشتهر بكثرة "المعاني المولدة"( )، والواقع أن قراءة معاني أبي تمام بمنظار العقل الصحيح وليس التخييل الفني لا تصل إلى قيمة المعنى الشعري جمالياً. كما نجد في رأي الآمدي في قول أبي تمام:
نَقَلْ فؤادكَ حيث شئت من الهوى
ما الحبُ إلاَّ للحبيبِ الأوّلِ

إذ يقول الآمدي أنه مسروق من قول كثير عزة( ):
إذا وصلتنا خلّة كي نَزيلها
أبينا وقلنا: الحاجبية أول

ورأيه في قول أبي تمام:
أطل على كلي الآفاق حتّى
كأن الأرض في عينيه دارا

إذ يقول أنه مسروق من قول منصور النمري( ):
وعين محيطٍ بالبرية طرفها
سواء عليه قربها وبعيدها

ويعلق على هذا بقوله: "بيت النمري أحب إليّ، لأن معناه أشرح" أي أقرب للفهم. على أن مسألة السرقة في الشعر على هذا النحو الذي لا ينظر إلى قيمة الشكل الفني للتعبير أمر لا يضعف من شعرية أبي تمام لأن "ارتباط المجازات بالنظم والسياق، هو ما يحدد نسبية فضل كلام على كلام من جهة، واستحالة تكرار المعنى نفسه في صور مختلفة، لما تنطوي عليه كل بنية لغوية من خصوصية"( ) فضلاً عن أن اللغة المعيارية لا تكشف عن فنية الخطاب الشعري بينا اللغة الشعرية هي الأساس لأنها تمثل (معنى المعنى) واللغة المعيارية في هذا الحال تمثل خلفية اللغة الشعرية( ).
ومثال القراءة غير الفنية في الشعر قول ابن رشيق في قول أبي تمام:
يقولُ في قوس صحبي وقد أخذت
منا السرى وخطى المهرية القودِ

أمطلع الشمسِ تبغي أن تؤم بنا؟
فقلتُ: كلا، ولكن مطلع الجودِ

إذ يرى أن الشاعر: "قد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك فيه إلى غيره"( ).كذلك رأي أبي في قوله:
وقمنا وقلنا بعد أن أفرد الثرى
به ما يقال في السحابة تقلعُ

إذ يرى أن "قول الناس في السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة، فمنهم من يمدحه ومنهم من يذمه، ومنهم من كان يحب إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم، فلم يبن بقوله ما يقال في السحابة تقلع معنى يعتمده السامع وأبين منه قول مسلم:
فاذهب كما ذهبتْ غوادي مزنةٍ
أثنى عليها السهل والأوعار( )

والواقع أن المقاربة الدلالية بين مطلع الشمس ومطلع الجود (الممدوح) في البيتين الأولين ترسم صورة فنية جميلة، لا تقبل النظر العقلي الذي قيدها به ابن رشيق، كما أن تفضيل صورة إقلاع السحابة عند مسلم على مثيلتها عند أبي تمام ليس فنياً جمالياً إنما من جهة وضوح مسلم ومباشرته والتخييل الشعري عند أبي تمام. ومثل هذا تفضيل قول مسلم أيضاً على أبي تمام عند الآمدي في( ):
قال مسلم بن الوليد:
لا يستطيع يزيدٌ من طبيعتهِ
عن المرؤةِ والمعروفِ إحجاماً

إذ يرى الآمدي أن أبا تمام أخذه فقال:
تعود بسط الكفّ حتّى لو أنّهُ
دعاها لقبضٍ لم تجبه أناملِهْ

والبادي للمتلقي أن: "البيت الأول ليس شعراً إنما هو تقرير بارد مباشر، ذلك أن مسلم بن الوليد ينقل الفكرة كما هي، ولا يضفي عليها من الشعر إلا الوزن، أما أبو تمام فيعبر بصورة شعرية، أي أنه يوحي بأن ممدوحه كريم بفطرته، حتى كأن الكرم طبيعي فيه.. وكل تعبير بالصورة يفتح أفق الحساسية والتأمل، بحيث لا يعود المعنى شيئاً محدداً منتهياً، وإنما يصبح شيئاً يتفتح ويتسع"( ).
ومن هذا القبيل رأى الأمدى في قول أبي تمام( ):
كأن الغمام الغرغبين تحتها
حبيباً فما ترقى لهن مدامعُ

إذ يراه مأخوذاً من قول الشاعر السابق:
كأن حبيبينِ باتا طولَ ليلهما
يستمطرانِ على غدرانهِ المقلا

ورأي الآمدي غير صحيح لأن "الصورة في البيت الأول جامدة خارجية مباشرة تقريرية ليس فيها إيحاء، أما أبو تمام فقد مزج بين حالتي: النفس وحلة الطبيعة، وخلق تطابقاً بين فعل الإنسان وفعل السحاب"( ).
ولا شك في أن التمكن من صياغة اللغة بالشكل الذي تستجيب فيه لتجليات الذات الشاعرة معبرة عن حاجات متطورة لدى الإنسان عبر الصورة الشعرية وصولاً لتحقيق معنى ينفتح على آفاق القيم الجمالية أكثر من خضوعه لمعايير عقلية صارمة، هذا التمكن هو ما يحقق التفرد الأسلوبي في خلق المعنى الشعري على نحو ما هو عند أبي تمام، وهو في هذا الأسلوب مطور لخلق المعنى الشعري روحياً كما جاء في عمود الشعر وليس جسدياً أي مادياً أو شكلياً.
أما على صعيد استقامة اللفظ تلك الاستقامة الصادرة عن طبع سمح جميل متطور هو الآخر لصدوره عن كثرة الرواية وطول الاستعمال، فإنه متحقق في تجربة أبي تمام الشعرية، سواء على صعيد الألفاظ المفردة أم على صعيد التركيب.
فإذا كانت الشعرية متصلة بنظم وترتيب الألفاظ على نحو متناسب يكشف عن نسق المعاني في النفس، فإن لغة أبي تمام توحي بطبع شعري يعنى كثيراً بصياغة الجملة الشعرية، إلى الحد الذي يثير حفيظة من يتطلبون أن تكون اللغة خاضعة للعرف العام أي القواعد التي تشكل النظام الشكلي لأية لغة، ومن هذا القبيل قوله( ):
أهن عوادي يوسفٌ وصواحِبُهْ
فعزماً فقدماً أدركَ النأي صاحبُهْ

وهذا من رديء إبتداءات أبي تمام عند الآمدي، لأنه لا يلائم بعضه بعضاً ولا يشابه وإنما يستقيم لو قال:
أهن عوادي يوسفٍ وصواحبُهْ
فلا يعدونكَ مطلب أنتَ طالِبُهْ

أولاً "يعدونك العزم فيما تطالبه" إذ لا يرى الآمدي عجز البيت لائقاً بصدره، وذلك قوله: فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه" فتصير جملة معنى البيت، هن صوارف يوسف فاعزم فقديماً أدرك البعد طالبه. والآمدي هنا يريد إخضاع الجملة الشعرية لحدية القاعدة النحوية ليس لأجل جمالية الجملة الشعرية، إنما لإيضاح المعنى حتى يكون قريب المأخذ، ومن هذا المأخذ ينظر الآمدي إلى قوله( ):
يدي لمن شاء رهن، لم يذق جوعا
من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟

إذ يقول: إن البيت مبني كله على الفساد، لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه أراد بقوله: "يدي لمن شاء رهن" أي أصافحه وأبايعه معاقدة ومراهنة، وإن كان لم يذق جُوعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟ ومثل هذا لا يسوغ، لأنه حذف "إن" التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها، لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف "من" وهي الاسم الذي صلته "لم يذق" فاختل البيت وأشكل معناه( ).
فسلامة اللفظ على صعيد التركيب عند الآمدي تشير إلى مراعاته القواعد القياسية للغة بالشكل الذي يكشف المعنى للمتلقي من دون طول نظر، وهذا توجيه عقلي يغفل قليلاً عن خصوصية لغة الشعر التي تنبني أحياناً على الحذف والإضمار، فإذا كان أبو تمام "يذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم، طوعاً وكرهاً، يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة"( ) طالباً المعنى غير مبال أحياناً باللفظ من حيث الفصاحة والعجمة، قاصداً إلى أن يؤلف "ضرباً خاصاً من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب"( ) فإن كل ذلك يشير إلى أسلوبية الشاعر في صياغة جملته الشعرية، والشكل الذي يتولد فيه رسم الصورة من خلال مقاربة دلالية بين اللفظ ومعناه الوضعي العرفي، على أن النقد القديم يتطلب في الكلام أن يكون "معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك. بأن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة وعاق دون الإبانة"( ) واللغة الشعرية لا تقوم على الإبانة بقدر قيامها على الغموض الذي يوحي بالدلالة الشعرية.
أما على صعيد الألفاظ المفردة فقد لاحظ القدماء توفر شعر أبي تمام على الألفاظ الغريبة حتى قال ابن رشيق "إن الطائي يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى، بلفظة نبطية لأتى بها"( ) ولكن شيوع هذا على نحو أو آخر في لغة الشعراء السابقين من جاهليين ومخضرمين يبيح لأبي تمام وسابقه أبي نواس. هذا، فضلاً عن أن ابن جني كان قد أشار إلى أن بعض الشعراء يتعمد الإتيان بغريب اللغة للدلالة على سعة اطلاعه على لسان قومه، إذ قال ابن جني: "متى رأيت الشاعر قد ارتكب الضرورات على قبحها، وانحراف الأصول بها، فاعلم أن ذلك.. ليس بقاطع دليل على ضعف لغته ولا قصور عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام"، فقد يبالغ( ) أبا تمام في استخدام الألفاظ الغريبة مما غاب عن لغة المولدين من مثل قوله:
قدك إتئب أربيت في الغلواءِ
كم تعذلونَ وأنتم سجرائي

فهذه الألفاظ وإن كانت صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف كلامهم ولا وحشي ألفاظهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه جمعها في مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة( ).
فالآمدي هنا يقول بصحة الألفاظ وفصاحتها واستقامتها، ولكنه ينكرها على أبي تمام لأنه حضري، فما بعثه إلى استخدامها إلا نزوعه إلى الغريب( ).
أو كما في قوله:
قد قلتَ لمَّا أطلخمَ الأبد وانبعثت
عشواءَ تاليةً غُبْساً دهاريساً

إذ أخذوا عليه في مثل هذا استخدامه لغة، لو صدرت عن جاهلي لتوقعنا قبول أهل ذلك الزمان لها، أما عصر الحضارة العباسية فقد هجر هذه الألفاظ، لأن الذوق العام لم يعد يألفها.
وقد يخرج على قياس العرف اللغوي أحياناً كما في قوله( ):
بالقائمِ الثامن المستخلفِ أطأدتْ
قواعدُ الملكِ، ممتداً لها الطولُ

لأن في قوله "أطأدت" مخالفة للقياس اللغوي، فلم يقل إتطدت الذي هو الصواب لأن وطد يطد من باب وعد يعد، فبناء افتعل منه على اتطد ولا يقال اتطأد، كما يقال اتعد ولا يقال اعأد( ).
والواقع، ليست مفارقة أن النقاد واللغويين يطلبون إلى الشعراء أن ينهجوا سبيل الأقدمين في قول الشعر، وأن يحرصوا على نهج عموده الذي ألفوه، وهذه دعوة إلى تقليد لغة السابقين، وفي الوقت نفسه ينكرون استخدام ألفاظ شاعت عند السابقين ولم يعد يألفها المحدثون، كما عند أبي تمام، لأن الأمر لا يتصل بتقليد الأقدمين فقط، إنما كان ذلك لأن لغة القدماء اتصفت بالوضوح وقرب المأخذ للمتلقي القديم، حتى ألف المتلقي الحديث وراثة هذا الوضوح وقرب المآخذ، ومن هنا لزم أن يطالبوا الشاعر المحدث بما ورثوه على صعيد التلقي الشعري عن القدماء، فصاروا ينكرون على المحدثين تقليد القدماء إذا لم يسلمهم هذا التقليد إلى الوضوح وقرب المآخذ. على أن الغرابة في أسلوب أبي تمام سمة شائعة، يريد لها أن تشكل مقوماً من مقومات لغته على المستوى المعجمي في حين تشكل دلالياً منبهاً أسلوبياً ينفرد فيه أبو تمام من بين المحدثين على نحو خاص.
وقد ذكر ابن فارس أن: "ليس في اللغة صواب مطلق، ولا خطأ مطلق، وإنما هي مسألة عرفية بحتة، فالخطأ اللغوي، هو مخالفة المألوف الشائع في الكلام في عصر من العصور"( ) أي إن رأي القدماء متصل بموافقة العرف اللغوي على صعيد التزام القواعد القياسية للغة أو عدم الأخذ بالشواذ أو الضرورة، لأن توفيق الشاعر إلى عدم مخالفة هذا، يكسب لغة شعره الوضوح وقرب المآخذ كما في قول أبي تمام( ):
تسربل سربالاً من الصبر وارتدى
عليه بعضب في الكريهة فاصل

وقد ضلّلت أعقاب رايتِهِِ ضحى
بعقبانِ طيرٍ في السماء نواهل

أقامتْ مع الراياتِ حتى كأنها
مع الجيشِ إلا أنها لم تقاتل

إذ يرى الحاتمي، أن هذا الأسلوب "أحمد مذهباً، وأسلم تركيباً.. على تأخر زمان قائلها"( ).
وهذا النظر الحسي المهيمن (هيمنة الحسي) يقال في أسلوب التشبيه القائم على مراعاة التناسب بين ركنيه (المشبه والمشبه به) أي المقاربة في التشبيه، عبر فطنة الشاعر، وحسن تمييزه، إذ يظل التشبيه قائماً على المقاربة الحسية بين ركنيه الرئيسين أي التقارب وليس الاتحاد. مما يشير إلى عدم تداخل الطرفين وتفاعلهما لأن التشبيه يحافظ على تغاير الطرفين، مبقياً على تمايزهما، أي يكشف عن الائتلاف وليس الاتحاد. من هنا أكد عمود الشعر على أهمية تناسب طرفي التشبيه "فالشيء إنما يشبه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا شابهه في أكثر أحواله، فقد صح التشبيه ولاق"( ) من هنا كان "الأحسن من التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته، ومعانيه، وبالضد يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به"( ) لذا أخذوا على أبي تمام الجمع بين بعيدين في التشبيه، بعيدين في النظر العقلي، كما في قوله( ):
هادية جذع من الاراكِ، وما
تحت الصلا منه صخرة جلس

لأن تشبيه عنق الفرس بالجذع بعيد، وإن كان الآمدي قد خالف هذا الرأي وأيد أبا تمام في تشبيهه( ) وضمن هذا السياق فقد عاب الجرجاني في الوساطة قوله( ):
أأتركُ حاجتي غرضَ التواني
وأنت الدلو فيها والرشاء

وعاب قوله أيضاً:
ـ ضاحي المحيا للهجير وللقنا
تحت العجاج تخالهُ محراثا

ـ تثفي الحرب منه حين تغلي
مراجلها بشيطان رجيمِ

ـ ولّى ولم يظلمْ وما ظلمَ امرؤٍ
حث النجاء وخلفهُ التنين

ويعيه الجرجاني في هذا لأبيات وما شاكلها موضوعياً عبر النظر العقلي، وذلك لمكان البعد العرفي (الاجتماعي) بين المشبه والمشبه به إذ يقول: "فهو يجعل الممدوح تارة دلوا، وتارة محراثاً، ومرة رشاء، وأخرى تنيناً، وشيطاناً رجيماً"( ) وهذا رأي ابن المعتز أيضاً إذ يشير إلى البيت الأخير فيقول: "فلو كان الشاعر أجهد نفسه في هجاء الأفشين، فهل كان يزيد على أن يسميه التنين؟ وما سمعت أحداً من الشعراء، شبه به ممدوحاً في شجاعة ولا غيرها"( ).
ويعلل عبد القاهر الجرجاني مثل هذا في شعر أبي تمام، بأن الشاعر لا يعنى في مخاطبات الممدوحين بتحسين ظاهر اللفظ، وإنما يقتصر على صميم التشبيه( ).
ولكنهم يمدحون له التشبيه الذي يماثل قوله:
وثناياك إنها أغريض
وَلآلٍ تُوْمٌ وبرق وميضِ

لأنه "شبهها بثلاثة أشياء حقيقية، لأن حكم "الواو" غير حكم "أو" ولا سيما وقد أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخواتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق"( ).
قد يكون وجود مأخذ في أسلوب التشبيه عند أبي تمام –في بعض أبياته-غير كاف ولا يسوغ رأي النقاد في خروجه على سنن الأقدمين، والسبب راجع إلى تقويم قراءة التشبيه من خلال درجات المقاربة أو التناسب بين المشبه والمشبه به، التي قد تكون أخلاقية اجتماعية، كما في تشبيه الممدوح بالأسد إظهاراً لشجاعته، وليس بالتنين، على أن هناك من يرى العكس، وكذلك في تشبيه الممدوح بالبحر في الكرم أو الجود وليس بالقليب (البئر) ولا بالرشاء وهكذا، لأنهم يرون عدم تناسب بين الرجل الشجاع والتنين أو الرجل الكريم والبئر أو الرشاء بل يدعو الأمر عندهم إلى التباعد. وإن كان الجرجاني يرى في التباعد بين ركني جملة التشبيه مبعث إعجاب، إذ يقول: "إذا استقرت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب"( ) لأن للتباعد مبعث تخييل، وتشويق إذ "من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كانت به أظن وأشغف"( ) وهذا التبعيد أو التغريب في أسلوب أبي تمام متصل بمنهجه في الغموض الشعري أو توخي الأساليب الباعثة على التخييل الشعري، وهو ما ميز أبا تمام من السابقين حتى عدوه خارجاً عنهم.
أي أن تجربة أبي تمام في صناعة الشعر، انطلقت من المحافظة على قواعد اللغة وحدود قياسها اللغوي، مع محاولته الإتيان بعلائق جديدة، تستمد من الخيال طاقتها الفنية وأبعادها المجازية فهو صاحب طريقة مبتدعة، ومعان تتصف بالغموض من جهة نظرنا العقلي، إذ يستخدم الكلمات بأسلوب يجعلها توحي بأكثر من معنى، مفرغاً إياها من معناها المألوف، مكسباً إياها حدة غير مألوفة، مما جعل شعره متصفاً بتعدد الشروح وكثرة التأويلات فهو يبني أنساقه الشعرية على نحو من التنسيق والتوزيع اللفظيين المتسمين بالمغايرة، الأمر الذي ساعد على وصفه بالغموض والتعقيد.
وقد كان أسلوب أبي تمام على صعيد تركيب أجزاء النظم الشعري، متصفاً بالحذف من دون أن يقوم مقام المحذوف ما يدل عليه "مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة، ومن هنا يتضح أن ثورة أبي تمام، ثورة شعرية قامت لتغيير الواقع الشعري، والمجيء بواقع بديل، وهي ثورة لغوية بالدرجة الأساس، ومن هنا يأتي افتراقها عن ثورة بشار وأبي نواس، لأنها ثورة لا تشهر أسلحتها بوجه الواقع الحياتي، (الديني/ الاجتماعي) وإنما بوجه الرؤية الشعرية التي لا ترى للشعر وجوداً خارج منطقة المألوف والتعاريف و"سنن العرب" ومن هنا نأخذ الحداثة عند أبي تمام بعداً مغايراً، فهي تهدف إلى خلق عالم شعري، يتجاوز العالم الشعري المتحقق، وإلى إنتاج شعر لا يلتفت إلى الوراء، إلا بالقدر الذي يؤمن له ثبات نقطة الشروع واستقامة خط السير باتجاه الأفق الجديد"( ).
ومن خلال هذا نلحظ أن أبا تمام عمد إلى إظهار مقومات الإيقاع الشعري في لغته عبر أساليب بديعية ذات مستوى صوتي معين، حتى صار في هذه الأساليب إماماً، ولعل ميزة اللغة الشعرية عنده من خلال هذه الأساليب أن الأصوات أو العناصر الإيقاعية ترد موحية بالدلالة الشعرية.
من هذا قوله:
كريمٌ متى أَمدحهُ أمدحهُ والورى
مَعي وإذا ما لمُتُهُ لمتهُ وحْدي

فقد كرر "حروف الحلق التي تسبب تخلخلاً في انسيابية الألفاظ، وتقطعاً في جريان النفس فتخيل موسيقى البيت وتنضيمه..استطاع من خلاله أبو تمام أن يبني نسقاً صوتياً متميزاً في تقابل: أمدحه/ أمدحه مع لمته/ لمته تقابلاً يتأتى منه التجنيس والتكرار والترصيع وتلك سمة فنية يمكن عزلها وتميزها قياساً على معايير عمود الشعر الثابتة، والخروج هنا عن عمود الشعر يعني الإبداع في توليد متغير أسلوبي غير مألوف"( ).
ومن هذا قوله أيضاً:
خان الصفاء أخٌ، خانَ الزمان أخا
عنه فلم يتخونْ جسمهُ الكمدُ

فقد نظر البلاغيون إليه على أنه من الكلام المتعاضل، وهو ليس كذلك أسلوبياً، إذا استطاع على مستوى التركيب، بناء جملة شعرية كانت فيه لفظة "أخ" فاعلاً حيناً ومفعولاً به حيناً آخر، على نحو مترابط دلالياً، أي أنه متغير أسلوبي مميز من سياق الاستقامة المجرد الذي يجري عليه قياس عمود الشعر( ).
وعلى هذا النحو الأسلوبي يستثمر مقومات البديع ذات الملامح الإيقاعية مثل الجناس في قوله:
شهدت لقد أقوت مغا***م بعدي
ومحت كما محت وشائع من بردِ

وأنجدتم من بعد اتهام داركم
فيا دمع أنجدني على ساكني نجدِ

وقد أشار الجرجاني إلى خصوصية التجنيس الصوتية على نحو عفوي عند أبي تمام هنا إذ قال "لن تجد أيمن طائراً، وأحسن أولاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد، لم تكتسِ إلا ما يليق بها، ولم تلبس من العارض إلا ما يزينها"( ) والملاحظ أن تجنيس أبي تمام تارة يرد بلا أثر ظاهر للصنعة فيه، وتارة يكشف عن آثار صنعة لافتة للنظر، على "أن الجناس أصل من الأصول التي يعمل عليها"( ) ومن هنا قسموا تجنيس أبي تمام على نوعين، نوع أظهر فيه التكلف مثل قوله( ):
سيف الأنامِ الذي سمته هيبتهُ
لمّا تخرمَ أهل الأرض مخترما

إن الخليفة لما صال كنت لـهُ
خليفة الموت فيمن جار أوظلما

قرت بقران عين الدين وأنشترت
بالأشترين عيون الشرك فاصطلما

ونوع آخر، جرى على سجية جيدة وطبع حسن مثل قوله( ):
يا بعد غايةَ دمعِ العين إن بَعدوا
هي الصبابة طول الدهر والسهد

وكأن أبا تمام يرى في هذا التجنيس ذي الأثر الصوتي غير المفارق للدلالة، صياغة مقصودة للغة الشعر تميزها من لغة القدماء، فلا يستشهد بالمحدثين في المعاني فقط إنما في أساليب بديعية في التعامل مع اللغة شعرياً، كما في التجنيس، الدال من مثل قوله( ):
ليالينا بالرقمتين وأهلنا
سقى العهدَ منكِ، العهدَ والعهد والعهد

فالعهد الأول، المسقى: هو الوقت، والعهد الثاني هو الحفاظ، والعهد الثالث الوصية. والعهد الرابع هو المطر، وقيل: أراد، مطراً بعد مطر.."( ).
وقد نظروا إلى بعض تجنيس أبي تمام بهذا الفهم الوظيفي للسمات اللغوية للخطاب الشعري، فكان أن عابوا عليه ما يحتمل على الصعيد الفني قيمة جمالية من قبيل قوله:
ذهبتْ بمذهبهِ السماحة فالتوت
فيه الظنونُ أمذهبٌ أم مذهب

إذ يعد ابن المعتز هذا من عيوب أبي تمام في التجنيس( ). أما عبد القاهر الجرجاني فيقول: "لم يزد بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة، تروم لها فائدة، فلا تجدها إلا مجهولة منكرة"( ) لأنه ينظر الأمر نظراً شكلياً مباشراً، ومن هنا لا يراك تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً"( ) أي أن يكون ما يعطي التجنيس من الفضيلة أمر لا يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده، لما كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن"( ) وإجمال القول فيه أنك "لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجله لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً، ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه"( ).
وإذا كان الجرجاني قد اشترط في التجنيس أو ما شاكله من المحسنات البديعية ذات الطبيعة الإيقاعية أن يكون قد طلبه المعنى واستدعاه وساقه نحوه، فإنه يرى أجمله ما جاء عن طبع فطري من المتكلم لا أثر له فيه أي لا تصنع، ولكن الأمر في الخطاب الشعري، على ظهور التصنع فيه فإنه يوحي بدلالة فنية وقيمة جمالية لا يستطيع أن يقف عندها إلا القارئ المتأمل، من ذلك ما نجده عند أبي تمام في هذا البيت من خصوصية أسلوبه هي التناسب بين الجملة الفعلية: "التوت فيه الظنون" وما تحمله من معنى الالتواء وبين الجملة الاسمية: "أمذهب أم مذهب" أي ما توحي به من معنى الحيرة أو التردد، فقد كان مناسباً بعد جملة التعبير عن معنى (الالتواء) أن ترد جملة استفهامية يتردد اللسان في نطقها لمكان الجناس التام في (مذهب ومذهب) أي أن المستوى الإيقاعي من خلال عنصر الجناس حقق تناسباً جمالياً في الإيحاء بالمعنى بما يجعل نطق الأصوات وإيقاعية الجملة تتناسب مع خصوصية المعنى، وإيحائيته الشعرية.
وهكذا فإن النظر إلى المقومات الصوتية في لغة الشعر سواء أكانت صادرة عن العروض والقافية أم عن المحسنات البديعية (الإيقاعية) على تعدد أساليبها، مشروطاً بصدوره عن طبع فطري، لا أثر للصنعة فيه، والإيحاء بالمعنى، من دون أن يشكل على المتلقي فهمه وما خالفه فيشار عليه بأنه خارج سنن السابقين.
هذه النظرة الوظيفية لكل مقومات اللغة الشعرية، جعلت قراءة الشعر في خلال مباشرة الفهم والوضوح بعيداً عن الغرض أو ما يجعل المتلقي يطيل النظر في عملية التلقي، مما ساعد على قراءة اللغة المجازية عبر أدائها المتصف بالوضوح فكان أن اشترطوا فيها مناسبة المستعار منه للمستعار له، لأن تعبير الشاعر يجب أن يصدر عن مخيلة فطنة، وذهن تعليمي أيْ أن يحرص على تناسب مكونات اللغة الاستعارية وصولاً إلى الوضوح أو قرب المآخذ. لهذا يوصف أبا تمام بالقصور والعجز عن الإبانة( ) عند تصاعد لغة المجاز في شعره كما في قوله:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها
بالدمع أن تزداد طول وقود

إذ يعلق الآمدي على قول أبي تمام بقوله: إن هذا "خلاف ما عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها، لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبدد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجد، ويعقب راحة"( ) ولكن أبا تمام هنا يريد "أن يخيل القارئ مدى لوعته، بحيث إن ما يظن أنه يطفئها لا يزيدها إلا اشتعالاً، يريد باختصار أن يقول: البكاء أحياناً لا يجدى"( ).
وفي سياق ما يذكره الآمدي مما يراه من قبيح استعارات أبي تمام أنه قد جعل للدهر أخدعاً، يداً تقطع من الزند وكأنه يصرع في قوله( ):
ـ فضربت الشتاء في أخذعيهِ
ضرباً غادرتهُ عوداً ركوبا

ـ يا دهرُ قوّمْ أخدعيك فقد
أضْججْتَ هذا الأنام من خَرْقك

ـ تروح علينا كل يوم وتغتدي
خطوب كأن الدهر منهن يصرعُ

ـ ألا لا يمدُّ الدهرُ كفّا بسيء
إلى مجتدى نصرٍ فيقطع من الزندِ

وجعله يشرق بالكرام، ويفكر، ويبتسم وإن الأيام بثون له، كما في قوله( ):
ـ والدهر ألأمُ من شرقْت بلؤمهِِ
إلاّ إذا أشرقته بكريمِ

ـ تحملت ما لو حمل الدهر شطره لفكّرَ أدهراً أيّ عبأيهِ أثقلُ

ـ فما ذكرَ الدهر العبوس بأنهُ لهُ ابن كيوم السبتِ إلا تبسماً

وجعل الدهر أبلق، وجعل لصروف النوى قداًٍ، وجعل للأمن فرشاً كما في قوله( ):
ـ حتى إذا اسود الزمان توضحوا
فيه، فغودر وهو منهم أبلق

ـ وكم أحرزت منكم على قبح قدها
صروف النوى من مرهف حسن القد

ـ ولاجتذبت فرش من الأمن تحتكم
هي المثل في لينٍ بها والأرائكِ

وقد جعل الليالي كأنها عوارك في قوله( ):
إذاً للبستم عار دهر كأنما
لياليه من بين الليالي عوارك

وجعل للأيام ظهراً يركب كما في قوله( ):
أنزلته الأيام عن ظهرها من
بعد إثبات رجله في الركابِ

وظن أن الغيث كان دهراً حائكاً في قوله( ):
إذا الغيث عادى نسجه خلتُ أنهُ
مضت حقبةٌ حرس لهُ وهو حائك

وجعل الزمان كأنه قد صب عليه ماء في قوله( ):
إذاً للبستم عار دهر كأنما
غضا صببت بهِ ماءً على الزمن

إذ يعد الآمدي هذه الاستعارات قبيحة في لغة أبي تمام فهي كلها "في غاية القباحة والغثاثة والهجانة والبعد عن الصواب. وإنما استعارت العرب المعنى، لما ليس هو له، إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله. أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه"( ) ومفهوم الملائمة هنا يشير إلى الاقتراب من الحقيقة.
وقد أخذوا على أبي تمام استعارته في وصف الحلم:
رقيقُ حواشي الحلم لو إن حلمهُ
بكفيكَ ما ماريتَ في أنهُ بردُ

إذ يعلق الآمدي على هذا البيت ذاكراً قول ابن المعتز فيه بأنه هو القول الذي "أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت"( ) ثم يقول: "والخطأ في هذا البيت ظاهر، لأني ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالرقة، وإنما يوصف بالعظم والرجحان والثقل والرزانة"( ) ثم يقول أيضاً "إن البرد لا يوصف بالرقة وإنما بالمثانة والصفاقة"( ).
وموقفه هنا ناظر إلى اتباع رأي الأقدمين، وعرفهم الشعري، وقبول ما ارتضوه، ورفض ما سواه. وقد يبدو أيضاً أنه "ناتج عن سوء فهمه، فهو يعد لفظة البرد كما هي، وكما ترسخ معناها بالاستعمال والعادة، أي أنه ينظر إليها بوصفها حقيقة، غير أن أبا تمام يفرغ اللفظة من شحنتها القديمة ويعطيها مدلولاً جديداً ثم أنه لا يقصد أن يكون الاسم (الحلم) هو المسمّى (البرد) ومن هنا لا ينطبق عليه مقياس الآمدي"( ) وكل ما دنا من المعاني من الحقائق كان الوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة"( ) ذلك أن أبا تمام لا يعنى بنقل الحقيقة كما هي، وإنما يستخدم الحقيقة كما هي، لكي يخيل بواسطتها معنى آخر، فالتخييل هو مدار الحقيقة لا نقل الحقيقة( ) وهذا الفهم هو ما ينبغي أن يكون عليه الشعر، وأن تكون قراءته بوحي منه.
وكذلك الجرجاني يأخذ على أبي تمام هذا الأسلوب في الاستعارة فيعيب عليه قوله( ):
ـ باشرت أسباب الغنى بمدائحٍ
ضربت بأبوابِ الملوكِ طويلاً

ـ لها بين أبواب الملوكِ مزامر
من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر

ـ إذا ما الدهر جرجرت أذيال
يديهِ فغشت الدنيا ظلالا

ـ إلى ملكٍ في أيكة المجد لم يزل
على كبدِ المعروف من نيله بَرْدُ

إذ يعد عبد العزيز الجرجاني أسلوب هذه الاستعارات وما يماثل من قبيح الاستعارة وسيئها أي أنه يرى شاعرها خارجاً على سنن العرب في الاستعارة( ).حتى أنه ينصح المتلقي بعدم الإصغاء إلى هذا الأسلوب في الاستعارة إذ يقول: "فاسدد مسامعك، واستغش غيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفات نحوه، فإنه مما يصدى القلب ويعميه، ويطمس البصيرة، ويشد القريحة"( ).
أما نمط الاستعارات التي امتدحها القدماء عند أبي تمام فهي من قبيل ما أشار إليه ابن المعتز، على أنه من بديع استعاراته( ):
ـ مطرٌ يذوبُ الصحو منهُ وبعده
صحوٌ يكادُ من الغضارةِ يمطرُ

ـ أمطرتهم عزمات لو رميت بها
يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما

ـ حتى انتهكت بمدّ السيف هامهم
جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما

ـ كلوا الصبر غضاً واشربوه فإنكم
أثرتم بعير الظلم والظلم بارك

نخلص من خلال هذه الآراء في استعارات أبي تمام إلى أنه، لما كان مذهب أبي تمام يقوم على الاستكثار في الأخيلة والاستعارات( ). متكئاً على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله( )، فلا أحد يعمل المعاني ويخترعها ويتكئ على نفسه أكثر منه( ). حتى صار قبلة أهل المعاني( ) إذ يحمل على كيانه بالفكر( ). حتى كان أغوص على المعاني من سواه( ). فإن مدار هذا الأمر هو انكشاف المعنى ووضوحه في خلال الأساليب البيانية ولا سيما الاستعارة، إذ هي علامة العبقرية الشعرية كما قال أرسطو. إذ جاءت الاستعارة في شعر أبي تمام غير متقيدة بقياس القدماء، وعدم التقيد جعل الاستعارة في شعره صفة أو مقوماً أسلوبياً رأى فيه بعضهم خروجاً على ما تواضعوا عليه، ولكنه كان أقرب إلى صفة التجدد والتغيير في شعرية القدماء منه إلى التزامها حداً نهائياً فلما كان السياق أنموذج لبناء لغوي يتخلله عنصر لم يكن متوقعاً، وما ينتجه هذا العنصر أو تضاده مع عناصر السياق هو المنبه الأسلوبي( ) فقد كانت تلك الاستعارات المميزة من سنن القدماء منبهات أسلوبية في لغة أبي تمام الشعرية، بوصفها عناصر يستعملها ليوحي إلى المتلقي بخصوصية طريقة تفكيره، فكان ان شكلت هذه المنبهات الأسلوبية "انزياحاً عن النمط التعبيري المتواضع عليه، والانزياح يكون خرقاً للقواعد حيناً، ولجوءاً إلى ما ندر من الصيغ حيناً آخر"( ) لكن النقد القديم لم يحاول قراءة العناصر الشعرية التي تميزت في خلالها لغة أبي تمام من غيرها، فلم يتقبلوا وجهة نظره في فهم الأشياء وإدراكها، ومن هنا نظروا إلى خصوصيته الأسلوبية في الاستعارة على أنها خروج على سنن العرب في قول الشعر. فالاستعارة عندهم "ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقى فيه الإفهام والاذعان"( ) لذلك كان حسن الاستعارة عندهم "بمقدار ما بين الشبه والمشبه به من التقارب والتماثل، وتصور الجمع بينهما في الذهن، ليصور المشبهة في صورة تحقق غرض القائل، ولذلك كان الأدب المسمى بالرمزي، بعيداً عن البلاغة، لأن الألفاظ فيه تستعمل كثيراً في معان يصوب إدراك الصلة بينها وبين المعاني الأولى لهذه الألفاظ"( ).
لذا كان أبو تمام في مذهبه غير موافق لمذهب القدماء في التعبير الشعري وخارجاً عن عمود الشعر، الذي هو في نظرهم الاستعارة القريبة على أن هذا الفهم فيه إسراف وغلو من جهة البعد عن الشعرية القائمة على المجاز في سائر مقوماتها، أي أن الأقرب إلى الصواب أن يكون عمود الشعر مستخلصاً من روائع الآثار بغض النظر عن قلتها بالقياس إلى غيرها( ).
ومن هنا فقد اتضح أن سائر النقاد القدماء يعتدون بالوضوح والصراحة كونهما يحققان وصول المعنى إلى المتلقي من غير تأمل أو إجهاد فكر في الصور البيانية للتعبير الشعري، وكان التفنن في الأسلوب الشعري يجعل الشعر متصنعاً مما يقلل من إيضاح الشاعر لفكرته وغرضه ويضعف من التجاوب العاطفي بين الشاعر والمتلقي في العملية الشعرية، وهذا فهم بدائي للشعرية، لذا كان أبو تمام مجيداً في إظهار المقومات الشعرية الحضارية مثل أناقة اللفظ وتنسيقه حيناً والمبالغة في الاستعارات حيناً آخر. فإذا كانت مقومات الوضوح في العملية الشعرية تغلب على مقومات المجاز، فإن هذا يكشف عن غلبة الفكر أو المضمون على الشكل الفني أو مقومات خلق الصورة الفنية، وهو ما يضفي على الشعرية سمة الوظيفية غير الجمالية، ولما كان الشعر لغة إيحاء وتخييل ومجاز وليس لغة وضوح وتقرير ومباشرة، فقد كان من المناسب أن لا يرتبط بوظيفة ذات طبيعة تعليمية أو أخلاقية وإنما يتصف بالوظيفة الجمالية فقط، وهو ما يذهب إليه فهم أبي تمام للنص الشعري، لذا كان من المناسب أن تكون القراءة النقدية في شعر أبي تمام نصية وليس مستوحاة من قراءة النص السابق.
نخلص من خلال ما سبق ذكره إلى إيجاز رأي النقد القديم في أسلوب أبي تمام الشعري الذي يرونه فيه خارجاً على عمود الشعر ثم رأي الباحث الذي لا يذهب إلى الأخذ بالرأي النقدي القديم.
أما رأي القدماء، فخلاصته قول الآمدي: "إغراقه في طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب، وتوشيح شعره بها، حتى صار كثير مما أتى به من المعاني لا يعرف، ولا يعلم غرضه فيها إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء، ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة، ويقتصرها مكارهة وتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامة غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ماقرب في حسن، ولم يفحش، واقتصر من القول على ما كان محذواً على حذو الشعراء المحسنين، ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر، وتذهب بمائة ورونقه، ولعل ذلك يكون ثلث شعره أو أكثر منه –لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان قليله حينئذ يقوم مقام كثير غيره، لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكن شره إلى إيراد كل ما جاش خاطره، ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالردئ والعين النادر بالرذل الساخط، والصواب بالخطأ، وأفرط المتعصبون له في تفضيلهِ، وقدموه على من هو فوقه، من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له من خطئه وتأولوا له التأوّل البعيد فيه، وقابل المحرفون عنه إفراط بإفراط، فبخسوه حقه وأطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه، وتجاوز بعضهم ذلك إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه، واحتج بما لا تقوم حجة به"( ).
فإذا قرأنا هذا النص النقدي على وفق مستوياته المكونة للشكل الشعري وهي المستوى المعجمي والصوتي والتركيبي والدلالي، فسنجد أن الآمدي قد عاب عليه في المستوى المعجمي، مجاذبته الألفاظ وقسرها، حتى يختلط عنده الجيد بالرديء، ثم إن هناك من عاب عليه استخدام الألفاظ البدوية القديمة مما لم يعد شائعاً أو مقبولاً في عصر أبي تمام فضلاً عن استخدام ألفاظ غير عربية حتى قيل عنه أنه لم يكن يعنى بالألفاظ حتى إذا تم له المعنى بلفظة نبطية أتى بها أما شيوع الألفاظ غير العربية فمتصل بالصفة الحضارية التي صار إليها العصر العباسي ثم إن هذا الأمر كان شائعاً عند المحدثين بدءاً من بشار وأبي نواس وأما استخدام الألفاظ البدوية أو الاعرابية القديمة فهو أمر متصل بانطلاقه من اللغة القديمة، إظهاراً لتمكنه منه من جهة، وتبييناً لما يضفيه عليه من تجديد في أسلوب التعبير الشعري، إذ ينطلق في تعامله مع اللغة "من رؤية ترى الشعر نوعاً من خلق العام باللغة، مشبهاً العلاقة بين الشاعر والكلمة بالعلاقة بين عاشقين، وهكذا يقيم علاقة غير معهودة بين الكلمة والكلمة وبين الكلمة والشيء وبين الإنسان والعالم فيشوش "المعنى" و"اللفظ" معاً ويشوش المفهوم الموروث الشفوي للشعرية"( ).
وهذا "التشويش" هو في استخدام اللفظ القديم بأسلوب إستعاري محدث، فكان إن نظر إليه التقليديون على أنه خارج على عمود الشعر ولكنه انطلق من الرؤية الفنية للشعر الذي تأسس على ضوء مفهوم العمود من جهة أنه تغيير لا ثابت أو ثبات جامد. أي أنه كان أكثر التزاماً بالعمود من سواه من جهة نهجه أسلوبية التغيير فيه وليس منحى التقليد والثبات.
أما في المستوى الصوتي فقد بدا أنه كان يعنى بالمقومات الشعرية ذات الطبيعة الإيقاعية على نحو لافت للنظر، فلا تكاد قصيدة من شعره -إن لم نقل بيت – تخلو من هذه المحسنات البديعية ذات الطبيعة الإيقاعية مثل التجنيس والتكرار والتكرار السجعي والتصريح ورد العجز على الصدر وتشابه الأطراف وغيرها. فهو وإن حقق سمة أسلوبية في هذا المستوى تمثلت في هذه الاختيارات الفردية لخصائص اللغة الصوتية كاشفاً عن طريقته الشخصية للتجربة الشعرية إلا أن هذا التأكيد على هذه المقومات الإيقاعية المضافة إلى غيرها كالعروض والقافية وسائر المقومات التقليدية قد يكون الباعث إليه أمران: أولهما متصل بتجديد أساليب القدماء في هذا المستوى، ذلك أنه، لما كان النقاد واللغويون قد عدوا ما أسسه القدماء من مقومات إيقاعية ممثلة بالعروض والقافية، بنية نهائية لا يكون فيها المحدثون إلا تابعين ومقلدين، فقد دفع هذا الأمر أبا تمام إلى تحديث اللغة الشعرية من هذا المستوى من خلال إضافة هذه المقومات الإيقاعية وتأكيدها حتى صارت نهجاً متبعاً وأسلوباً لافتاً للنظر، رأى فيه التقليديون خروجاً على القديم في الوقت الذي كان فيه الشاعر منطلقاً من القديم، ومجدداً فيه فنياً وجمالياً، وثاني الأمرين، شخصي ذاتي متصل بقدرة أبي تمام على الإلقاء الشعري، فربما كانت "التمتمة" التي يعانيها عند النطق أو الإلقاء الشعري قد شكلت في ذاته هاجساً يؤرقه فيه الإحساس بالقصور على صعيد السلوك الشفاهي المباشر في التعامل مع النص الشعري، فكان أن عمد –على نحو شعوري أو لاشعوري- إلى التعويض عن الإحساس بالقصور، في خلال التأكيد على المقومات ذات الطبيعة الإيقاعية مما تؤثر مشافهة وسماعاً في المتلقي فضلاً عن ما سبق ذكره من إيراد ألفاظ بدوية قديمة أو أعجمية حديثة.
أما المستوى التركيبي، فقد كان أبرز ما عيب على أبي تمام في هذا المستوى هو الإكثار من الحذف حتى يبهم المعنى على المتلقي، إذ يبنى البيت عنده على الحذف أحياناً فيعد هذا البناء إفساداً كما أشار الآمدي إلى هذا( ). على أن الشعر الجاهلي قد عرف أسلوب الحذف والإضمار في عناصر التركيب اللغوي، وتناولها الدرس البلاغي ضمن قوانين الفصل والوصل، مشيراً إلى تحديدها عبر ما ينشأ بين الجمل من ترابط دلالي: إذ "يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها"( )، وهذا الأمر يقتضي الاحتكام فيه إلى السياق لأن، "من حق المحذوف أو المزيد أن ينسب إلى جملة الكلام لا إلى الكلمة المجاورة له"( ).
ومن هنا كان النظر النقدي الذي أخذ على أبي تمام غموضاً صادراً عن كثرة الحذف والإضمار، غير ناظر في خصوصية السياق الشعري وما يقوم عليه تركيباً من مقومات مثل التقديم والتأخير والفصل والوصل والحذف والإضمار وغيرها، إلا أن حرص بعض القدماء على تأدية الشعر وظيفياً لمعناه بأسلوب واضح هو ما بعث على مؤاخذة الأسلوب الشعري القائم على الحذف في بعض سياقاته. ثم إن هذا الأمر في تركيب الجملة الشعرية يحقق ملمحاً أسلوبياً تميزت به لغة أبي تمام إذ يعنى بالارتقاء بذهنية المتلقي إلى فهم معين وإدراك مخصوص في خلال عنصر المفاجأة عبر الانزياح عما هو مألوف من سياق التركيب الشعري المتواضع عليه إلى ما هو محتمل فنياً.
أما في المستوى الدلالي فقد أخذوا عليه الاستعارات البعيدة ودقة المعاني والمبالغة في الوصف مما أضفى على أسلوبه عندهم الغموض لهذا ما كان يعجب أحداً سوى "أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام"( ) وميل هؤلاء له يكشف عن أن الشعر عنده قضية فنية وصناعة تخييلية تصدر عن التخييل مجازاً كما يصدر الفكر في النثر عن التأويل العقلي إدراكاً. فهو لا يعنى من اللغة بخواصها المادية الطبيعية إنما بعلاقتها بالفكر، مركزاً على حقائقها المجردة وعلائقها المحسوسة من دون التقييد بصلتها بالأفراد المنتجين لها على نحو حدى وهو ما يشير إليه إخراجه المعاني في صور أشخاص عبر أسلوب التشخيص واستعماله الألفاظ في غير ما هي له احتكاماً إلى خصوصية السياق الشعري الصادر عن تجربة أبي تمام وليس عن القرائن التي تواضع العرف عليها تقليدياً، أي أن قيمة الكلمة أو اللفظ عنده تتأتى من السياق النصي للخطاب الشعري والحالي لتجربته الشعرية ومن هنا كانت العملية التواصلية لخطابه الشعري، تؤدي وظيفتها الانفعالية انطلاقاً من سياق النص وتجربة الشاعر، وتؤدي وظيفتها اللغوية انطلاقاً من إشارية اللغة وإيحائها، والوظيفة الشعرية، انطلاقاً من البنى الاستعارية التي تمثل الشعرية خلقاً فنياً، والوظيفة المعرفية، احتكاماً لنصية الخطاب الشعري، وليس لما استوحاه السابق من نصية خطاب ماض، أي أن لغته لم تكن تقول الواقع مباشرة إنما تتخيله استعارياً على نحو تقول فيه أكثر مما تقوله في غير هذا السياق، أي أنه عمد إلى المغايرة في طريقه استخدام اللغة، وإلى المفاجأة في خلال التغريب، فبنية الخطاب الشعري عنده، لا تعتمد الشكل الجاهز، إنما الشكل المتغير، معجمياً كما في حرصه على خصوصية اللغة من دون التقيد بالمألوف انطلاقاً من روحية القديم لا هيكليته، وصوتياً كما في خصوصية مقومات الإيقاع عنده ولا سيما في المحسنات البديعة، وتركيبياً كما في انطلاقه من قواعد اللغة القياسية على وفق ما يقتضيه التعبير عن تجربته، سواءاً شاعت تلك القواعد أم ندرت، ودلالياً في أسلوب الاستعارة –على نحو خاص- عندما عمد إلى فنية الشعر القديم الباعثة على التغيير، على خلاف ما صارت إليه عند بعضهم من حدود جامدة.
رد مع اقتباس