عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 2 )  
قديم 2014-05-16
 
seifellah
::مراقب عام::

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

  seifellah غير متواجد حالياً  
رقم العضوية : 16941
تاريخ التسجيل : Mar 2013
الدولة :
العمر :
الجنس :  male
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 9,278 [+]
عدد النقاط : 946
قوة الترشيح : seifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to beholdseifellah is a splendid one to behold
افتراضي رد: مــواعـــظ الآخــرة

الموعظة الخامسة

تعلق شابٌّ كان يعمل قصابًا بجارية حسناء لبعض جيرانه، وابتغى إليها سبيلاً لم يستطع، فقدر الله تعالى أن أرسلها مولاها ذات يوم في حاجة إلى قرية مجاورة، فخرجت وحدها لتقضي تلك الحاجة، فتبعها ذلك الشاب، وراودها عن نفسها، فقالت له: لا تفعل!! فأنا والله أشد حبًا لك منك لي، ولكني أخاف الله!! فقال الشاب: فأنت تخافينه، فلماذا أنا لا أخافه؟!!
فرجع الشاب تائبًا نادمًا منكسرًا، فأصابه العطش في الطريق حتى كاد أن يهلك، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل، فسأله الرسول: ما لك؟! ما بك؟ فقال الشاب: العطش!! فقال: تعالى حتى ندعو الله حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية ونشرب منها!!
فقال الشاب: ما لي من عمل صالح!! فقال الرسول: فأنا أدعو وأنت تؤمِّن!
فدعا الرسول وأمَّن الشاب، فأظلتهم سحابة حتى انتهوا إلى القرية، فمال الشاب القصاب عائدًا إلى بيته، ومالت السحابة معه!! فرأى رسول النبي ذلك، فتبع الشاب وقال له: زعمت أنه ليس لك عملٌ!! وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت، فأظلتنا سحابة ثم تبعتك وتركتني!! لتخبِرْني ما أمرك!! فقص عليه الشاب قصته مع تلك الجارية!! فقال له الرسول: التائب إلى الله بمكان ليس أحد من الناس بمكانه ([1])!!
تنبه قبل الموت إن كنت تعقل



فعما قليل للمقابر تُنقلُ


وتمسي رهينًا في القبور وتثني



لدى جدث تحت الثرى تتجندلُ


فريدًا وحيدًا في التراب وإنما



قرين الفتى في القبر ما كان يعمل


فيا أسفى على ما يعمل الدود والثرى



بوجه جميل كان لله يخجلُ


وما يفعل الوجه الوسيم إذا ثوى



وصار ضجيع القبر يعلوه جندلُ


وبطن بدا فيه الردى ثم لم تر



دقيق الثرى في مقلتيه يتهرولُ


أعينيَّ جودا بالدموع عليكما



فحزني على نفسي أحق وأجملُ


أيا مدعي حبي هلمَّ بنا إذا



بكى الناس نبكي للفراق ونعملُ


دعي اللهو- نفسي- واذكري حفرة البلى



وكيف بنا دود المقابر يفعلُ


إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتي



إذا صرت في قبري وحيدًا أململُ


أخي: يا مبارزًا بالذنوب خذ حذرك، وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك، وخلِّ الهوى كما ترى ضيرك قبل أن يغضب الإله ويضيق حبسه }وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ{([2]).
قال أبو علي الدقاق رحمه الله: «دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدًا له في مرضه، فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له: إن الله يعافيك ويشفيك!!
فقال لي: وتظنني أخاف من الموت؟!! إنما أخاف من بعد الموت!!
ثم بكى وأبكى من حوله رحمه الله تعالى»([3]).
وقال مالك بن دينار رحمه الله: «دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يغمى عليه مرة ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة ربه ومولاه، فقلت له: يا أخي: تب إلى الله، وارجع عن غيِّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك، فقال: هيهات!! هيهات!! قد دنا ما هو آتٍ، وأنا ميت لا محالة، فيا أسفى على عمر أفنيته في البطالة!! وكلما أردت أن أتوب مما جنيت سمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت: عاهدتنا مرارًا، فوجدناك غدارًا، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة»([4]).




* * * *

الموعظة السادسة

قال الله تعالى في صفة خوف الملائكة عليهم السلام منه سبحانه: }يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{[النحل: 50] وروي عن النبي r أنه قال: «إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، وروي أن من حملة العرش من تسيل عيناه مثل الأنهار، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك ما تُخشى حق خشيتك». وعن جابر t قال: قال رسول الله r: «لما كان ليلة أسري بي رأيت جبريل u كالشن (أي كالقربة) الخَلِقِ البالي من خشية الله تعالى».
وقال وهب: «بكى آدم u على الجنة ثلاثمائة عام، وما رفع رأسه إلى السماء بعدما أصاب الخطيئة». وقال أبو الدرداء t: كان يسمع لصدر إبراهيم u إذا قام إلى الصلاة أزيز من بعد؛ خوفًا من الله عز وجل. وكان عيسى u إذا ذكر الموت يقطر جلده دمًا، وكان رسول الهدى محمد r يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وكان خليفة رسول الله r أبو بكر الصديق t يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وقال: يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل. وكان عمر بن الخطاب t يسمع آية فيمرض فيعاد أيامًا، وقال عثمان بن عفان t: وددت أني إذا مت لا أبعث ([5]).

وقال ابن الجوزي رحمه الله محذرًا من الذنوب وعواقبها: الحذر الحذر من المعاصي؛ فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب، خصوصًا ذنوب الخلوات؛ فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه، ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة؛ فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها؛ لأنه عند التلذذ يقف بإزائه علمُه بتحريمها، وحذره من عقوبتها، فأفٍّ للذنوب!! ما أقبح آثارها!! وأسوأ أخبارها!! ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة ([6]).
نبكي على الدنيا وما من معشر



جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا


أين الأكاسرة الجبابرة الألى



كنزوا الكنوز فما بقيت ولا بقوا


خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا



أن الكلام لهم حلال مطلقُ ([7])


فيا أخي: أين من ربح في متاجر الدنيا واكتسب؟! أين من أعطى وأسدى ووهب؟! أين من كنز الفضة والذهب؟ أين من رتع في الشهوات؟ أين من أوغل في المعاصي والموبقات؟ أين من بارز ربه بالذنوب والخطيئات؟! أين من بنى القصور الشاهقات؟!
أما فارق دنياه وذهب؟ أما نزل به التلف وأسرهُ العطب؟ أنفعه بكاء من بكى أو ندب من ندب؟ أما ندم على ما جنى وارتكب؟([8]).
فيا عجبًا كيف يعصى الإلهُ



أم كيف يجحده جاحدُ


ولله في كل تحريكة



وتسكينة في الورى شاهدُ


وفي كل شيء لهُ آيةٌ



تدلُ على أنه واحدُ


الموعظة السابعة

قال ابن القيم رحمه الله مبينًا لذة حلاوة تلاوة كتاب الله عز وجل:
«فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة، التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مرَّ بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة! ولو ليلةً!! فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم!! وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح!! عن أبي ذر t قال: قام النبي r ليلة حتى أصبح بآية!! وهي قوله تعالى: }إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{[المائدة: 118]، قال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً؛ فقراءة القرآن بالتفكر هي أصلح صلاح القلب»([9]).
ولننظر إلى العبد الصالح محمد بن المنذر رحمه الله؛ إذ جزأ الليل عليه وعلى أمه وعلى أخته أثلاثًا!! فكان كل واحد منهم يقوم ثلث الليل، فلا تكاد ساعة بالليل إلا ومصل قائم في بيتهم!! ثم ماتت أخته، فقسم الليل كله نصفين بينه وين أمه!! ثم ماتت أمه فكان يقوم الليل كله وحده، رحمة الله عليه ورضوانه ([10]).
وعن شعيب بن حرب رحمه الله قال: دخلت على العبد الصالح مالك بن مغول رحمه الله وهو في داره بالكوفة جالسًا وحده، فقلت له: أما تستوحش لوحدك في هذه الدار؟!! فقال: ما كنت أظن أن أحدًا يستوحش مع الله عز وجل.
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعقيبًا على تلك القصة:
«ما أشرف هذه المنزلة!! وأعلى هذه الدرجة!! وأعظم هذه الموهبة!! وإنما لا يستوحش مع الله تعالى من عمر قلبه بحبه سبحانه، وأنس بذكره، وألف مناجاته بسره، وشغل به عن غيره، فهو مستأنس بالوحدة مغتبط بالخلوة»([11]).
وكان العبد الصالح حبيب بن محمد رحمه الله يخلو في بيته، ثم يقول مناجيًا ربه: «من لم تقر عينه بك فلا قرت!! ومن لم يأنس بك فلا أنس!!».
وقال بعض العباد: «سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربِّه وسيده عز وجل!!».
وقال إبراهيم بن أدهم: «اتخذ الله صاحبًا، ودع الناس جانبًا».
وقال مسلم بن يسار: «ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله تعالى».
وقال مسلم العابد: «ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة الله»([12]).
فيا أخي الحبيب: «سبحان من وفق أقوامًا لخدمته، وأفاض عليهم من كرامته فهجروا لذيذ المنام، وأداموا لربهم الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، فلو رأيتهم وقد سارت قوافلهم في حندس الظلام، فواحد يسأل العفو عن زلته، وآخر يسأله التوفيق لطاعته، وآخر يستعيذ من عقوبته، وآخر يرجو منه جميل مثوبته، وآخر يشكو إليه ما يجده من لوعته، وآخر شغله ذكره عن مسألته، فسبحان من أيقظهم والناس نيام([13])!

* * * *

الموعظة الثامنة

قال ابن القيم الجوزي رحمه الله مخاطبًا كل عاق لوالديه: «الويل كل الويل لعاقٍ والديه، والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابًا عليه، أفٍّ له هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه؟! أتبع الآن تفريطك في حقهما أنينًا وزفيرًا، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا، كما آثراك بالشهوات على النفس!! ولو غبت عنهما ساعةً صارا في حبس!! حياتهما عندك بقايا شمس، ولقد راعياك طويلاً فارعهما قصيرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا، كم ليلة سهرا معك إلى الفجر، يداريانك مداراة العاشق في الهجر، فإن مرضت أجريا دمعًا لم يجر!! تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا. يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك، ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك، كم جرعاك حلواً وجرعتهما مريرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا، أتحسنُ الإساءة في مقابلة الإحسان؟! أو ما تأنف الإنسانية للإنسان؟ كيف تعارض حسن فضلهما بقبح العصيان؟ ثم ترفع عليهما صوتًا جهيرًا، وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرًا. تحبُّ أولادك طبعًا، فأحبب والديك شرعًا، وارع أصلاً أثمر لك فرعًا، واذكر لطفهما بك وطيب المرعى، أولاً وأخيرًا، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. تصدق عنهما إن كانا ميتين، وصل لهما، واقض عنهما الدين، واستغفر لهما، واستدم هاتين الكلمتين، وما تكلف إلا أمرًا يسيرًا، وقل رب أرحمهما صغيرًا»([14]).
قال بعض الصالحين: بينما أنا أطوف حول الكعبة في ليلة ظلماء، وقد رقدت العيون وهدأت الأصوات، إذ بصوت حزين شجي يردد:
يا من يُجيب دعاء المضطر في الظلم



يا كاشف الضر والبلوى مع الألمِ


قد نام وفدك حول البيت وانتهبوا



أدعو وعينك يا قيوم لم تنمِ


هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي



يا من إليه أشار الخلق في الحرم


إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف



فمن يجود على العاصين بالكرم؟


فتتبعت الصوت، فإذا هو شاب في مقتبل عمره، فطلبته أن يقص علي خبره، فقال: وما خبر من أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه؟ فهو مرتطم في بحر الخطايا، ثم قال: أنا شاب من إحدى قبائل العرب، اسمي «منازل بن لاحق» وإني كنت على اللهو والطرب لا أفيق عنه!! وكان لي والد فاضل يعظني كثيرًا، ويقول لي: يا بني: احذر هفوات الشباب وسكراته فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد!! وكنت أقابل نصحه ووعظه بالسخرية والاستهزاء ويسيئ القول، فلما كان ذات يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فمددت يدي عليه، فحلف مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو علي، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا



عرض المهامة من قرب ومن بُعدِ


إني أتيتك يا من لا يخيب من



يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمدِ


هذا منازل لا يرتد عن عققي



فخذ بحقي يا رحمن من ولدي


وشلَّ منه بحولٍ منكَ جانبه



يا من تقدس لم يولد ولم يلدِ


قال منازل: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، فإذا هو يابس (مشلول)([15]).
الموعظة التاسعة

قال عبد الله بن عبد الخالق رحمه الله: سبى الروم نساءً مسلمات، فوصل الخبر إلى أهل الرقة (مدينة في العراق) وكان الخليفة هارون الرشيد مقيمًا بها آنذاك فجيء إلى واعظ الرقة وزاهدها العبد الصالح منصور بن عمار رحمه الله فقيل له: لو اتخذت مجلسًا بالقرب من قصر الخليفة، فوعظت الناس فيه ورغبتهم في الغزو والجهاد.
ففعل المنصور كما أشاروا عليه، فبينما هو ذات يوم في مجلسه يحث الناس على النفير والجهاد في سبيل الله، إذ بخرقة مصرورة مختومة، ومعها كتاب مضموم إليها تصل إلى يد منصور بن عمار الواعظ، ففك الكتاب فقرأه فإذا مكتوب فيه: إنني امرأة من أهل البيوتات من العرب بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك لهم في النفير، ولم أكن مستطيعة للنفير وللغزو، فعمدت إلى أكرم شيء في بدني، وهما ذؤابتاي (أي ضفيرتاي) فقطعتهما وجعلتهما في الصُّرة المختومة التي مع هذا الكتاب، وأنشدك الله العظيم أن تجعل هاتين الذؤابتين قيدًا لفرس غاز في سبيل الله تعالى؛ فلعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال نظرة فيرحمني ويغفر لي!!
فما كاد منصور يفرغ من قراءة الكتاب حتى أجهش بالبكاء، وأجهش الناس معه، وعلا الضجيج وارتفع البكاء والنحيب، وأمر هارون الرشيد بالنفير العام لغزو الروم، وغزا بنفسه على رأس الجيش الإسلامي فهزم الروم بإذن الله وحرر السبايا المسلمات، وفتح الله على المسلمين يومها فتحًا عظيمًا ([16]).
أبا سليمان قلبي لا يطاوعني



على تجاهل أحبابي وإخواني


إذا اشتكى مسلمٌ في الهند أرقني



وإن بكى مسلم في الصين أبكاني


ومصر ريحانتي والشام نرجستي



وفي الجزيرة تاريخي وعنواني


وفي العراق أكف المجد ترفعني



عن كل باغ ومأفون وخوان


ويسمع اليمن المحبوب أنشودتي



فيستريح إلى شدوي وألحاني


ويسكن المسجد الأقصى قبته



في حبة القلب أرعاه ويرعاني


أرى بخارى بلادي وهي نائيةٌ



وأستريح إلى ذكرى خراسان


شريعة الله لمتْ شملنا



وبنت لنا معالم إحسان وإيمان ([17])


قدمت بعض جيوش الروم المنهزمة أمام المسلمين في معركة من المعارك على ملكهم وعظيمهم هرقل وهو في مدينة أنطاكية، فدعا رجالاً من عظمائهم، وقال لهم: ويحكم أخبروني!! ما هؤلاء الذين تقاتلونهم – يعني المسلمين - أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى!!
قال: فأنتم أكثر عددًا أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن! فقال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلما لقيتوهم؟ فسكتوا ولم ينطقوا، فقال شيخ كبير منهم: أنا أخبرك أيها الملك من أين يأتون! ولماذا ينهزمون!!
إنا إذا حملنا على المسلمين صبروا، وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب، ويحملون علينا فلا نصبر!! فقال هرقل: ولماذا هم كذلك، وأنتم بخلاف ذلك؟
فقال الرجل الكبير: لأن القوم يصومون بالنهار، ويصلون بالليل، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يظلمون أحدًا، ويتناصفون فيما بينهم، ونحن نشرب الخمر، ونزني، ونرتكب الحرام، وننقض العهد، ونغضب، ونظلم، ونأمر بما يسخط الله تعالى، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض!!
فقال هرقل حينها: والله لقد صدقتني القول!! والله لأخرجن من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا ([18])!!.
كتب عبد الله بن المبارك إلى الفضيل بن عياض رحمهما الله حاثًا على الجهاد في سبيل الله:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا



لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ


من كان يخضب خده بدموعه



فنحورنا بدمائنا تتخضبُ


أو كان يتعب خيله في باطل



فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ


ريح العبير لكم ونحن عبيرنا



وهج السنابك والغبار الأطيبُ


ولقد أتانا من مقال نبينا



قول صحيح صادق لا يكذبُ


لا يستوي غبار خيل الله في



أنف امرئ ودخان نار تلهبُ


هذا كتاب الله ينطق بيننا



ليس الشهيد بميت لا يكذبُ ([19])


وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فمحب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام يغار لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى! وإنْ زعم أنه من المحبين، والدين كله تحت هذه الغيرة؛ فأقوى الناس دينًا أعظمهم غيرًة!! وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، ولذلك جعل الله تعالى علامة محبته ومحبوبته: الجهاد ([20]).
فيا رب، نشكو إليك ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس!!
أخي: ألم تشتق نفسك إلى أرض الجهاد وإلى موطن العزة والكرامة، إلى المنبع الأصيل وإلى الريح النبيل؟ فلم يقم الإسلام إلا بالجهاد، ولم يقم الجهاد إلا بالإسلام.
فلقد نسينا- أو تناسينا- أمر الجهاد حتى أصبحنا عالةً على أنفسنا في أرض الله!! وجعلنا أذلاء ومحتقرين بسبب تفريطنا وجهلنا لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم الذي لم يأت عبثًا ولا لعبا في حقوق الإنسان؛ بل أتى في كتاب الله وسنة رسول الله r([21]).

الموعظة العاشرة

قال ابن القيم رحمه الله مبينًا بعض ثمار الصلاة الخاشعة:
«هي (أي الصلاة) منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنورة القلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة، وحافظة للصحة، ومفرحة للنفس، ومذهبة للكسل، وممدة للقوى، وشارحة للصدر، ومغذية للروح، وجالبة للبركة، ومبعدة عن الشيطان ومقربة من الرحمن»([22]).
وقد روى عن النبي r أنه قال: «ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله». وفي حديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه».
وكان ابن الزبير t إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط!!
وقال ميمون بن مهران t: «ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمها وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت».
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه! فقيل له: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟
يقول ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن فوائد الصلاة الخاشعة:
وبالجملة: فلها (أي للصلاة) تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داءٍ أو محنة أو بليةٍ إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم.
وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل.
والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه ومسارعة إليه ([23]).
كان العبد الصالح خلف بن أيوب رحمه الله تعالى لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة!! فقيل له: كيف تصبر على ذلك؟
فقال: بلغني أن الفساق يتصبرون تحت السياط ليقال: فلان صبور، وأنا في صلاتي أقف بين يدي ربي، أفلا أصبر على ذباب يقع علي ([24])!
أخي: الأيام لك مطايا، فأين العدة قبل المنايا؟ أين الأنفة من دار الرزايا؟! أين العزائم أترضى بالدنايا؟! إن بلية الهوى لنا تشبه البلايا!! وإن خطيئة الإصرار لنا كالخطايا!! وسرية الموت لا تشبه السرايا!! وقضية الزمان لا كالقضايا، راعي السلامة يقتل الرعايا، ورامي التلف يصمي الرمايا، ملك الموت لا يقبل الهدايا، يا مستور ستظهر الخبايا، وتكشف الخفايا ([25])!

* * * *

([1])كتاب التوابين – لابن قدامة المقدسي -.

([2])كتاب التبصرة – لابن الجوزي -.

([3])كتاب وفيات الأعيان – لابن خلكان -.

([4])كتاب بحر الدموع – لابن الجوزي -.

([5])كتاب منهاج القاصدين – للإمام أحمد المقدسي -.

([6])كتاب صيد الخاطر – لابن الجوزي -.

([7])ديوان المتنبي.

([8])كتاب التبصرة – لابن الجوزي -.

([9])كتاب مفتاح دار السعادة – لابن القيم -.

([10])كتاب المستطرف – للأبهيشي -.

([11])كتاب العزلة – لأبي سليمان الخطابي -.

([12])كتاب استنشاق نسيم الأنس – لابن رجب -.

([13])عقود اللؤلؤ والمرجان – إبراهيم بن عبيد -.

([14])كتاب التبصرة – لابن الجوزي -.

([15])كتاب الرقة والبكاء – لابن قدامة المقدسي -.

([16])كتاب صفة الصفوة – لابن الجوزي -.

([17])للأستاذ: عبد الرحمن بن صالح العشماوي «شاعر الأمة الإسلامية».

([18])كتاب: عيون الأخبار – لابن قتيبة -.

([19])كتاب سير أعلام النبلاء – للذهبي وكتاب طبقات الشافعية – للسبكي.

([20])كتاب روضة المحبين – لابن القيم -.

([21])من كلام مؤلف الكتاب: عبد الجليل الأحمد.

([22])كتاب زاد المعاد – لابن القيم -.

([23])كتاب زاد المعاد – لابن القيم.

([24])كتاب المستطرف – للأبهيشي -.

([25])كتاب التبصرة – لابن الجوزي – (بتصرف).
رد مع اقتباس